رب اجعل هذا البلد آمنا
[إبراهيم: 35] ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴾ أي فرض لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ أي من ترك الحج فإن الله مستغن عن عبادته وعن الخلق أجمعين، وعبر عنه بالكفر تغليظا عليه قال ابن عباس: من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، ثم أخذ يبكت أهل الكتاب على كفرهم فقال ﴿ قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ أي لم تجحدون بالقرآن المنزل على محمد مع قيام الدلائل والبراهين على صدقه ﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها ﴿ قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ أي لم تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإيمان به؟ ﴿ تبغونها عوجا ﴾ أي تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجة، وذلك بتغيير صفة الرسول، والتلبيس على الناس بإيهامهم أن في الإسلام خللا وعوجا ﴿ وأنتم شهدآء ﴾ أي عالمون بأن الإسلام هو الحق والدين المستقيم ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ تهديد ووعيد، وقد جمع اليهود والنصارى الوصفين: الضلال والإضلال كما أشارت الآيتان الكريمتان فقد كفروا بالإسلام ثم صدوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من الناس ﴿ يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي إن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب ﴿ يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ أي يصيروكم كافرين بعد أن هداكم الله للإيمان، والخطاب للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم كما في سبب النزول واللفظ في الآية عام ﴿ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ﴾ إنكار واستبعاد أي كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حي بين أظهركم؟ ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ أي من يتمسك بدينه الحق الذي بينه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ أي اتقوا الله تقوى حقة أو حق تقواه قال ابن مسعود: " هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر " والمراد بالآية ﴿ حق تقاته ﴾ أي كما يحق أن يتقى وذلك باجتناب جميع معاصيه ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ أي تمسكوا بالإسلام وعضوا عليه بالنواجذ حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإسلام والمقصود الأمر بالإقامة على الإسلام ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ﴾ أي تمسكوا بدين الله وكتابه جميعا ولا تتفرقوا عنه ولا تختلفوا في الدين كما اختلف من قبلكم من اليهود والنصارى ﴿ واذكروا نعمت الله عليكم ﴾ أي اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب ﴿ إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم ﴾ أي حين كنتم قبل الإسلام أعداء ألداء فألف بين قلوبكم بالإسلام وجمعكم على الإيمان ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ أي وكنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم فأنقذكم الله منها بالإسلام ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ أي لكي تهتدوا بها إلى سعادة الدارين.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة نوجزها فيما يلي:
1- ﴿ قل فأتوا بالتوراة ﴾ الأمر للتبكيت والتوبيخ للدلالة على كمال القبح.
2- ﴿ للذي ببكة ﴾ أي للبيت الذي ببكة وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى.
3- ﴿ ومن كفر ﴾ وضع هذا اللفظ " موضع ومن لم يحج " تأكيدا لوجوبه وتشديدا على تاركه قال أبو السعود: " ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات ما لا مزيد عليه وهي قوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق وأبرزت في صورة الجملة الإسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإبهام ثم التبيين، والإجمال ثم التفصيل "