إن ينصركم الله فلا غالب لكم
[آل عمران: 160] ثم أخبر تعالى عن اغترار الناس بشهوات الحياة الفانية فقال ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء ﴾ أي حسن إليهم وحبب إلى نفوسهم الميل نحو الشهوات، وبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، والإلتذاذ بهن أكثر وفي الحديث
" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "
ثم ذكر ما يتولد منهن فقال ﴿ والبنين ﴾ وإنما ثنى بالبنين لأنهم ثمرات القلوب وقرة الأعين كما قال القائل:
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم
لامتنعت عيني عن الغمض
وقدموا على الأموال لأن حب الإنسان لولده أكثر من حبه لماله ﴿ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ أي الأموال الكثيرة المكدسة من الذهب والفضة، وإنما كان المال محبوبا لأنه يحصل به غالب الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله
وتحبون المال حبا جما
[الفجر: 2] والذهب والفضة أصل التعامل ولذا خصا بالذكر ﴿ والخيل المسومة ﴾ أي الأصيلة الحسان ﴿ والأنعام ﴾ أي الإبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة ﴿ والحرث ﴾ أي الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ أي إنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي حسن المرجع والثواب ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ أي قل يا محمد أأخبركم بخير مما زين للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ والاستفهام للتقرير ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي للمتقين يوم القيامة جنات فسيحات تجري من خلال جوانبها وأرجائها الأنهار ﴿ خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها أبد الآباد ﴿ وأزواج مطهرة ﴾ أي منزهة عن الدنس والخبث، الحسي والمعنوي، لا يتغوطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن ما يعتري نساء الدنيا ﴿ ورضوان من الله ﴾ أي ولهم مع ذلك النعيم رضوان من الله وأي رضوان، وقد جاء في الحديث
" أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا "
﴿ والله بصير بالعباد ﴾ أي عليم بأحوال العباد يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. ثم بين تعالى صفات هؤلاء المتقين الذين أكرمهم بالخلود في دار النعيم فقال ﴿ الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا ﴾ أي آمنا بك وبكتبك ورسلك ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ﴾ أي اغفر لنا بفضلك ورحمتك ذنوبنا ونجنا من عذاب النار ﴿ الصابرين والصادقين والقانتين ﴾ أي الصابرين على البأساء والضراء، والصادقين في إيمانهم وعند اللقاء، والمطيعين لله في الشدة والرخاء ﴿ والمنفقين ﴾ أي الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي وقت السحر قبيل طلوع الفجر.
البلاغة: ﴿ من الله ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي من عذاب الله ﴿ شيئا ﴾ التنكير للتقليل أي لن تنفعهم أي نفع ولو قليلا ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ الجملة إسمية للدلالة على ثبوت الأمر وتحققه ﴿ كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الحاضر والأصل فأخذناهم ﴿ لكم آية ﴾ الأصل " آية لكم " وقدم للإعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والتنكير في آية للتفخيم والتهويل أي آية عظيمة ومثله التنكير في ﴿ رضوان من الله ﴾ وقوله تعالى ﴿ يرونهم ﴾ و ﴿ رأي العين ﴾ بينهما جناس الاشتقاق ﴿ حب الشهوات ﴾ يراد به المشتهيات قال الزمخشري: عبر بالشهوات مبالغة كأنها نفس الشهوات، وتنبيها على خستها لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء ﴿ بخير من ذلكم ﴾ إبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق لمعرفته ﴿ للذين اتقوا عند ربهم ﴾ قال أبو السعود: التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطف بهم ﴿ والقناطير المقنطرة ﴾ بينهما من المحسنات البديعية ما يسمى بالجناس الناقص.
فائدة: الأولى: من هو المزين للشهوات؟ قيل: هو الشيطان ويدل عليه قوله تعالى