تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير. فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك بي، فقال له الملك: فقبل رأسي، وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه فأطلقه، وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما.

16.110-111

هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل ﴾ أي تحاج ﴿ عن نفسها ﴾ ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة ﴿ وتوفى كل نفس ما عملت ﴾ أي من خير وشر ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر ولا يظلمون نقيرا.

16.112-113

هذا مثل أريد به أهل مكة؟ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، كما قال تعالى:

أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا

[القصص: 57]، وهكذا قال ههنا ﴿ يأتيها رزقها رغدا ﴾ ، أي هنيئا سهلا، ﴿ من كل مكان فكفرت بأنعم الله ﴾ أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى:

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار

[إبراهيم: 28-29] ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما فقال: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وذلك أنهم استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو وبر يخلط بدمه إذا نحروه. وقوله: ﴿ والخوف ﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال، حتى فتحها الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله فيهم منهم وامتن به عليهم في قوله:

لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم

[آل عمران: 164] الآية. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة والزهري رحمهم الله.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٩٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٩٣٣