16.10-11
لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب، وشرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء - وهو العلو - مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم فقال: ﴿ لكم منه شراب ﴾ أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه ولم يجعله ملحا أجاجا، ﴿ ومنه شجر فيه تسيمون ﴾ أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم، كما قال ابن عباس: ﴿ تسيمون ﴾ أي ترعون ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس. وقوله: ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ﴾ أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى:
أمن خلق السموت والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون
[النمل: 60]، ثم قال تعالى: ﴿ وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك... ﴾.
16.12-13
ينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات، نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله كقوله:
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
[الأعراف: 54] ولهذا قال: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه. وقوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ﴾ لما نبه تعالى على معالم السماء نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها وما فيها من المنافع والخواص ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ أي آلاء الله ونعمه فيشكرونها.