تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.3-4

يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السماوات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث به بل

ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى

[النجم: 31]، ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له ثم نبه على خلق جنس الإنسان ﴿ من نطفة ﴾ أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا كقوله تعالى:

ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا

[الفرقان: 55]، وقوله:

أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين

[يس: 77]. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن بشر بن جحاش قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه، ثم قال:

" يقول الله تعالى: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ".

16.5-7

يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي (الإبل والبقر والغنم) وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة، ولهذا قال: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون ﴾ ، وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى، فإنها تكون أمده خواصر وأعظمه ضروعا، وأعلاه أسنمة، ﴿ وحين تسرحون ﴾ أي غدوة حين تبعثونها المرعى، ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها، ﴿ إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل كقوله تعالى:

الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون

[غافر: 79-80]، ولهذا قال ههنا بعد تعداد هذه النعم: ﴿ إن ربكم لرؤوف رحيم ﴾ أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم كقوله:

وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون

[يس: 72]، وقال:

وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون

[الزخرف: 12]، قال ابن عباس: ﴿ لكم فيها دفء ﴾ أي ثياب، ﴿ ومنافع ﴾ ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة، ومنافع نسل كل دابة. وقال مجاهد: ﴿ لكم فيها دفء ﴾ أي لباس ينسج ﴿ ومنافع ﴾ مركب ولحم ولبن. وقال قتادة: دفء ومنافع يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٩٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٩٠١