ثم قال تعالى: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ ، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم الله إياه إلا ذكر ما أعطى المؤمنين من بعدهم.
وقوله تعالى: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح ﴾ هذا كان يوم (حمراء الأسد) وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وعن عكرمة أنه: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا (حمراء الأسد) فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد غزوة فأنزل الله تعالى: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ﴾.
قال محمد بن إسحاق: عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد شهد أحدا، قال: شهدنا أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي ورجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جراحا منه؛ فكان إذا غلب حملته عقبة؛ حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. وقال البخاري عن عائشة رضي الله عنها: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ الآية، قلت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم (الزبير) و (أبو بكر) رضي الله عنهما لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال: " من يرجع في أثرهم " ، فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير. وروي عن عروة قال: قالت لي عائشة إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال:
" إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل "
، فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقال الحسن البصري في قوله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح ﴾ إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه " ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال: ردوا محمدا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت جموعا وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حسبنا الله ونعم الوكيل " فأنزل الله هذه الآية ".