تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وماذا بعد الدليل المادي على الكرم؟ لابد من علة جوهرية تبعث على كرم جم عميم. وبالفكر الدقيق والنظر المتعمق الذي حلل فيه مضامين الشجاعة والكرم ينفذ الشاعر إلى العلة، إلى العمق النفسي لممدوحه: إنه مركب جبلة على العطاء فهو لا يجد نفسه إلا إذا أعطى، فإذا حقق ذاته على هذا الوجه كانت راحته ومتعته. ففي البيتن (35 - 36) يرد فضيلتي الممدوح الكبريين إلى المنبع النفسي الأصيل، فإذا عرفت حقيقة العلة التي لا تتبدل ولا تعصى لم تكن الشجاعة والكرم، مقدارا وأبعادا، موضع تساؤل أو غرابة.

ولذلك شرع بعد التعليل يوضح الآثار النفسية والسلوكية لهذا الباعث الفطري: وهي آثار لا تستهان عظمتها: لقد انتصر على سلبيتين لابد للكريم والشجاع أن ينتصر عليهما: انتصر على الخوف والجبن، وعلى البخل والشح، وإذ تحرر من عبودية الخوف والحرص فهو سيد في المجالين يهين ماله كما يهين عدوه:

الما ل ولكن يهينه للثناء

37 - لا يهاب الوغى ولا يعبد

ل وأخرى سم على الأعداء

38 - أريحى له يد تمطر البذ

وما ثاني البيتين إلا تأكيد لأولهما، لتلك الثنائية المتزامنة بين الخصلتين.

ولما أشبع هاتين السجيتن تحليلا ودليلا وبيانا لآثارهما أتبع ذلك بالشواهد المادية المحسوسة على تعدي كرمه إلى الآخرين. ولم يشأ الشاعر أن يتناول الشواهد المحسوسة من مكان بعيد بل من واقع تعامله مع الممدوح، فقد رفع مستواه المادي إذ لم يكن يلبس الخز فصار الخز له لباسا، ولم يكن له من يخدمه، فأعطاه الفتيان والجواري خدما، وكانت ابنته لا زينة لها فصارت ترفل في الحلية، ومن صدق كرم ممدوحه أنه لما مات خادم الشاعر وذهب يشكو إليه سوء طالعه عوضه أفحل منه.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٣٤ · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٣٤ · ص ٣١١