تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا، وإنما توخى عقبة أن تذيع القصيدة بين الناس على اختلاف طبقاتهم، وهذا الغزل الذي يتقدم المدح ويستهوى الكثيرين هو مفتاح إغراء لبق للولوج بقصيدة المدح إلى نفوس الخاصة والعامة.

أليس هناك، إذن، اتفاق ضمني ما بين الشاعر والممدوح على ترويج القصيدة على الجمهور؟ وما حاجة الأمير إلى مدح لا يضمن له الذيوع والانتشار؟.

لابد، في الحق، أن يجد الشاعر في اكتشاف خير وسائل الدعاية جاذبية. ولم تعترف قصيدة المدح الرسمية في العصر العباسي الأول بوسيلة أفعل من الغزل.

وإذا كان اختيار هذا الضرب من الغزل القصصي مقدمة يكشف عن جانبها النفعي عند الممدوح فإنه يكشف عن جوانب ذاتية وعن مؤشرات اجتماعية.

لم يختر الشاعر القصة الغزلية للجانب الدعائي وحده لولا أن تكون من هوى نفسه.

إن شاعرا محافظا على القيم الخلقية، من الصون والعفة، لا ينهج منهجا يتخطى فيه الخلق والآداب. ولكن شاعرا يؤزه نشوز على المواضعات وعلى كل ما يحاجزه عن رغباته وأهدافه، مثل بشار بن برد، لا يتورع عن الغواية والإغراء بالجرأة السافرة. أليس قوله: "رب ممشى منها إلينا ... "في عدة أبيات دعوة سافرة وتيسيرا كبيرا لإخراج الفتاة من الخدر والكن إلى الريبة والانزلاق، أليس قيام الوسطاء من رجال ونساء ما بين العاشقين إضعافا لحساسية الجمهور تلقاء الإخلال بآداب الدين والتقاليد؟.

وإذا كان هذا الغزل مطلبا وليدا لفريق من العامة، أفليس هو مؤشرا إلى رغبات مستسرة تود أن تنطلق؟ إن بشارا يضرب بمعوله - جادا - في تجمعات نفسية تريد أن تتفلت من ضبطة الخلق العف.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٣٤ · الصفحة ٣٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٣٤ · ص ٣٠٤