تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(أ) الغزل: من نافلة القول أن المطالع أو المقدمات الذاتية الوجدانية تقليد عريق في القصيدة العربية القديمة، ولاشك أن المكانة الجليلة التي كانت تحتله تلك القصيدة جعل منها مثالا يحتذى على جانب من الاحترام والالتزام كبير، وخاصة قصيدة المناسبات في المواقف الرسمية. إن عرفا مشتركا، غير معلن عنه تصريحا، إلا في وقت متأخر، ما بين الشعراء ورجال اللغة والأدب وأرباب القصور، هو أنه ينبغي لقصيدة المدح المحدثة أن تبلغ شأو قصائد المدح الممتازة في العصور السابقة، ومن ثم لابد من العمل على مثال أو أنموذج متعارف عليه.

وليست المطالع الغزلية وقفا على قصائد المدح في أدبنا القديم، فهي في المفاخرات والنقائض وغير ذلك من الأغراض تتراوح بين الإسهاب والاقتضاب. وإذا كانت القصيدة ذاتية المضمون في مجموعها تتركز حول شخص الشاعر مثل معلقة امرئ القيس اللامية، فإن حظ النسيب والغزل والنساء يغطي على نصف القصيدة أو يزيد. ولكنه يتراجع إلى نسبة قليلة إذا كان موضوع القصيدة غير ذاتي، مدحا أو فخرا قبليا، أو ذاتيا متمركزا على الجانب العملي من الحياة كمعلقة عنترة التي رفع بها من شأنه من خلال مواقف البطولة وحسن البلاء.

ولكن قصائد المدح والفخر التي تعد نماذج تامة في الجاهلية والإسلام تتوافق على الابتداء بمقدمة ذاتية أكثر ما تنطلق من الوقوف على الديار، وأحيانا من الغزل الصرف بالنساء. ولا يسعنا أن نرفض تعليلا نقديا استقرأه ابن قتيبة في القرن الثالث إذ رأى في هذه الخطوة مقصدا ذاتيا فنيا معا، فالشاعر ينبعث في النظم من أقرب الدواعي إليه، وهي قادرة على استمالة الآخرين لما في هذه الدواعي الذاتية من مشاركة وجدانية أو شجا إنساني عام [32] .

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٣٤ · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٣٤ · ص ٢٩٧