وكان الروم بقيادة الإمبراطور قسطنطين الخامس (741- 775 م) قد انتهزوا فرصة انشغال الدولة العباسية بالتمكن لنفسها، فأغاروا على الحدود الإسلامية، وآتوا على جهود المسلمين في التحصين، ودمروا خطوط حصون الفرات، ثم الخط الممتد بين الفرات إلى البحر. وهددوا النظام الثغري كله تهديدا خطيرا [26] .
فأمر أبو العباس السفاح (132- 136 ه) بإعادة تمصير المصيصة، وتم ذلك في عام 139 ه في عهد أبي جعفر المنصور (136158ه) . ولما رغب امبراطور الروم في فداء الأسرى، وأبى المنصور، كتب إليه الإمام الأوزاعي رسالة شديدة اللهجة بالمبادرة إلى الفداء [27] . فنزل المنصور عند كتاب الأوزاعي وجرى الفداء واستحق الأوزاعي منذ ذلك الوقت لقب "عالم الأمة" [28] .
ولما تجدد تهديد البيزنطيين للنظام الثغري وسقطت اللاذقية بأيديهم عام 40 اه، انبرى الأوزاعي لإنذار الخليفة بخطورة الأمر، وطلب منه أن يأمر بتخصيص أعطيات سنوية لأهل الساحل حتى يقووا على المرابطة، وحراسة الأبراج والحصون الساحلية.
فتتبع المنصور حصون السواحل ومدنها فمصرها، وحصنها، وبنى ما احتاج البناء منها [29] . وجدد الصوائف والشواتي، فقام العباس بن محمد بن علي عام 139 ه بالغزو على الصائفة، ومعه صالح بن علي الذي بنى ما هدمه البيزنطيون من ملطية [30] .
واستعمل المنصور وسائل إغراء كثيرة لحث الجند والناس على العمل في الثغور واستيطانها منها: زيادة العطاء لكل مقاتل عشرة دنانير إضافية وتخصيص معونة قدرها مائة دينار لكل واحدا منهم، وبناء بيوت خاصة لإقامتهم مع عوائلهم. فاستكمل المنصور مرحلة الدفاع والتحصينات.
ولإدراك المنصور لأهمية الجهاد في الثغور، لم ينس وهو على فراش الموت أن يوصي ابنه المهدي بشحن الثغور، وضبط الأطراف، إذ قال له [31] :