تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أنه عند التأمل في الأدلة المتعلقة بشأن وجود الطائفة المؤمنة في مجتمع تظهر فيه المنكرات يمكننا أن نلاحظ أن هناك عدة مراتب وأحوال:

المرتبة الأولى:

أن تكون الدعوة ظاهرة وشعر الإسلام ظاهراً في مجتمع من المجتمعات وتكون كلمة الحق معلومة، فعند ذلك لا يعذب الله الجميع، بل إذا نزل عذاب نجى الله المؤمنين الدعاة، كما قال الله عز وجل: )وَمَا كَان للّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ([الأنفال:33]، أي: وفيهم من يستغفر، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندهم لنزل فيهم العذاب، وذلك يدلنا على أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم كان أماناً لأمته وهكذا ظهور الدعوة إلى الله عز وجل، أمام لكل مجتمع من المجتمعات من العقاب العام، فإذا ضاعت الدعوة، فإن ذلك يؤذن بعذاب الجميع.

فإذا كانت لديهم قوة على التغيير باليد لم يكن الوعظ كافياً، بل لابد من إزالة المنكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، لكن إذا ترتب على التغيير باليد مفاسد معتبرة أو إيذاء معتبر له أو لأهله أو لعموم المسلمين لم يكن له ذلك(2).

المرتبة الثاني:

أن يكون هناك من هو صالح في نفسه وعاجز عن أن يبلغ كلمة الحق للناس، لأن الناس يمنعونه ويكرهونه على تركها، فهؤلاء قد يقع العذاب عليهم جميعاً، ويبعثون على نياتهم، وقد يدفع الله العذاب عن الناس بهم، فهو سبحانه يفعل هذا وذاك، ولكنه سبحانه وتعالى لا يعذب أمة بأسرها مع ظهور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن العذاب يحدث مع عدم الاستجابة لأمر الله عز وجل لكن إذا وجد من يسكت لعجزه، مستضعف ساكت عن الحق لا يستطيع أن يقوله ولا أن يعلنه فهذا قد ورد فيه قول الله تعالى: ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح:33].

فالله دفع عن أهل مكة العذاب الأليم على الجميع لوجود طائفة مستضعفة، وإن لم تكن تدعو إلى الحق وتظهره من أجل عجزها.

وورد في مثل هؤلاء أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وأخرهم"، وقالت عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله: يخسف بأولهم وأخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال صلى الله عليه وسلم : "يخسف بأولهم وأخرهم ثم يبعثون على نياتهم".

وفي رواية أخرى قالت أم سلمة: إن الطريق تجمع فيهم المجبور والمستبصر وابن السبيل، قال صلى الله عليه وسلم : "يهلكون مهلكاً واحداً، ثم يصدرون مصادر شتى".

ومن عجز عن الدعوة يكون معذوراً، وإن احتمل أن ينزل العذاب العام بدرجات متفاوتة، ليس شرطاً أن يكون مستأصلاً، بل قد يكون أنواعاً من المحن العامة، لو قلنا مثلاً المجاعات، سوء الحال، الفقر الشديد، الأمراض المنتشرة، الزلازل، الأعاصير، وهذه يمكن أن تصيب الصالح والطالح، وهذا نوعاً من العذاب الذي يصيب الجميع إذا كانت هناك طائفة مستضعفة لا تستطيع ان تؤدي دورها في الدعوة إلى الله والمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث لا تظهر شعائر الإسلام.

فربما عذب البعض من الأبرياء ويكون ثواباً لهم عند الله، ويكون نزول العذاب العام تكفيراً لسيئاتهم ويبعثون يوم القيامة على نياتهم، ومن هذا قوله تعالى: )وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً( [الأنفال:25].

قال ابن كثير رحمه الله عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: "أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب"، وهذا تفسير حسن جداً، ثم ذكر جملة من الأحاديث في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منها حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده"، فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: "بلى"، قلت: فكيف يصنع أولئك؟ فقال: "يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان"، وله شاهد من حديث ابن ماجه من حديث عائشة.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٩٢