مباحث الربا و الأحكام المالية
مجلة المنار - (ج 192 / ص 11)
مباحث الربا و الأحكام المالية
( كنا شرعنا في كتاب بحث فياض في تحرير حقيقة الربا وأحكامه وما
يتعلق به من الأحكام المالية في العقود والشركات والمصارف وغيرها ؛ لكثرة ما
يستفتينا الناس فيها من الأقطار المختلفة ، بدأناه برسالة الاستفتاء في حقيقة الربا
التي نشرتها حكومة حيدر آباد الآصفية الهندية ووزعتها مطبوعة على أشهر علماء
الأقطار الإسلامية ، وسألتهم عن رأيهم في إفتاء مفتيها في المسائل الأربع التي
حصرت الموضوع فيها ، وقفينا عليها بتخطئة ما اعتمده محرر هذه الرسالة في
حقيقة الربا ؛ بناء على مذهب الحنفية وبنى عليه فتواه ، وبينا آراء محققي
المفسرين من علماء مذاهب السنة في القرآن والشيعة وأقوال المحدثين والفقهاء ،
وجعلنا نتيجة هذه النقول بيان حقيقة الربا القطعي المنصوص فيه ، وهو ربا النسيئة ،
وعقدنا بعده فصلاً مهمًّا في إلحاق الفقهاء ذرائع الربا وشبهاته بالقطعي والظني
المنصوص ، وإبطال دليلهم على هذا الإلحاق . وانتهى بنا البحث إلى الوعد بالكلام
على الحِيَل في الربا وغيره في أول المجلد 31 ( ص37 ) .
وههنا وقفنا ، وأرجأنا وسوَّفْنَا في إنجاز وعدنا ، إذ كنا عزمنا على تحرير
الموضوع بالاستقصاء لأدلته وفروعه بنصوص المختلفين فيه ، وهو ما حال دونه
كثرة أعمالنا إلى الآن ، ورأينا أنها لا تزال تزداد ، فرَّجَحْنَا أن نكتفي بخلاصة آراء
فقهاء المذاهب ورأينا فيها وهو ما يرى القارئ في الفصل التالي .
***
فصل في الحيل في الربا وغيره
الحيلة اسم أو هيئة من حال الشيء يحول إذا تغير حاله أو لونه أو صفته أو
وضعه أو مكانه ، وأصلها حولة كحكمة ، فقلبت الواو ياء ؛ لكسر ما قبلها . قال في
الأساس : حال الرجل يحول حولاً إذا احتال ومنه ( لا حول ولا قوة إلا بالله )
وحال الشيء واستحال تغيَّرَ ، وحال لونه ، وحال عن مكانه تحول - إلى أن قال - :
وحاوله طلبه بحيلة ا هـ . وفي المصباح المنير : والحيلة الحذق في تدبير الأمور ،
وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود ، وأصله الواو ، واحتال طلب الحيلة
ا هـ .
وقال الراغب في مفردات القرآن : والحيلة والحويلة : ما يتوصل به إلى
حالة ما في خفية ، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث ، وقد تستعمل فيما فيه
حكمة ؛ ولهذا قيل في وصف الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ ﴾ ( الرعد :
13 ) - بكسر الميم - أي الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة ، وعلى هذا
النحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم ، تعالى الله عن القبيح ا هـ .
وذكر قبل ذلك أن من الأمثال ( لو كان ذا حيلة لتحول ) .
وأقول : إنه قال في المكر والكيد كما قال في الحيلة والمحال أنه يكثر
استعماله فيما فيه خبث أو قبح ، وسببه كما بيناه في التفسير أن أكثر ما يخفي الناس
هو ما يعد عندهم قبيحًا أو ضارًّا ولو بأعدائهم وخصومهم ، وما لو ظهر لحبط وفسد
عليهم وعجزوا عن إتمامه كما يقع في الحرب وشئون السياسة . ولم يرد لفظ الحيلة
في القرآن إلا فيما هو واجب منها ، وهو قوله بعد وعيد الذين يتركون الهجرة من
دار الكفر والظلم إلى الإسلام والعدل : { إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ }
( النساء : 98-99 ) الآية .
وأول من أدخل الحِيَل في الشرع أبو حنيفة وأصحابه ، وأول من ألف فيها
القاضي أبو يوسف ألف كتابًا مستقلاًّ سمَّاه ( كتاب الحيل ) وتبعه فقهاء مذهبهم فهم
يذكرون في كتب فقههم أبوابًا للحيل التي يصفونها بالشرعية ، ووافقهم الشافعية في
أصل جواز الحيل ، وقال بحظرها فقهاء المالكية و الحنابلة .