تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انهيار الأسهم

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

في طبع الإنسان البحث عن المال. وهو في أصله غير مذموم؛ إذ بدون المال لا يقدر على تحقيق الحوائج، بل هو محمود؛ لأنه يعفه ويغنيه عن سؤال الناس. في التوجيه النبوي الكريم:

(لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغني به عن لاناس، خير له من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه ذلك؛ فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول). [مسلم، الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس]

لكن إذا صار المال أكبر همه، وشغله الشاغل فإنه مذموم؛ لخروجه حينئذ عن حدّه وهدفه الحسن إلى الطغيان، والهدف السيء والأسوء.

- فيحصل له به الترف، وهو من أسباب التحلل من الشريعة، والتفريط في التزام الأحكام، وهكذا هي أخلاق من خلاق له، كما في قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا قبل مترفين﴾.

- ويقع به في الطغيان والبطر، كما في قوله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى﴾.

ومن جاء هنا ذم التوسع من الدنيا، واعتباره سبب الهلاك، وعدم الفلاح، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ). [البخاري]

وجاء مدح التقلل من الدنيا في الخبر النبوي الكريم: أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام .

فالميزان ضرورة، والحد دقيق، من وقف عنده انتفع ونفع، ومن تجاوز تضرر وأضر.

فالميزان في الانتفاع بالمال دنيويا، بدون الإضرار بالآخرة، يكون بشرطين:

الأول: أن يحصّل من حلّه، الواضح البيّن.

وفي هذا الشرط وصفان: الحلّية، ووضوح الحلّية. فقد يكون المال حلال لكن بشبهة؛ كأن يكون مختلطا به شيء من الحرام: النصف، أو الثلث، أو الربع... أو العشر. فهذا الواجب فيه: أن يجتنب. فاتقاء الشبهات استبراء للدين والعرض، كما في الأثر النبوي المقدس.

وأوجب منه اجتناب المحرم الصريح الواضح: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.

الثاني : ألا يلهي ويشغل. وآيته: أن يكون المال هو الشغل الشاغل، فلا يبقى للآخرة إلا القليل.

فهذا ينسي ذكر الله تعالى، ويجعل من الإنسان آلة تعمل بلا هدف سوى الدنيا.

كذلك، فإنه يحمل على الوقوع في الشبهات، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. وإذا وقع في الشبهات وقع في الحرام، كما في النص النبوي، وهو على معنيين:

الأول: وقوع حقيقي في الحرام، فتكون الشبهات بهذا المعنى هو: الوقوع في الحرام.

الثاني: أنه ذريعة إلى الوقوع في الحرام.

ومتى ما كان تحصيله المال بهذين الشرطين: حلالا بيّنا واضحا، غير مشغل ولا يلهي. فإنه مال صالح، لرجل صالح، ثمره عمل صالح، وأجر جزيل.

بدء سوق الأسهم منذ سنوات قريبة، وهو نظام تجاري اقتصادي، مستورد من الرأسمالية الغربية، التي تعبد المادة عبادة اليهود للعجل، والمجوس للنار، والهندوس للبقر ؟!!.

استورد هذا النظام حديثا، كما استوردت من قبل: أنظمة اقتصادية رأسمالية، على رأسها البنوك الربوية، التي ملأت العالم الإسلامي.

هذا النظام الربوي وإن كان مر عليه زمن - ليس بالقصير - والفتوى مصروفة ضده؛ تحريما، وتنبيها وتحذيرا. ما جعل كثيرا من الناس ينصرفون عن البنوك يطلبون السلامة لدينهم ودنياهم: فإن سوق الأسهم مرّ ولم يعترض طريقه عائق يعوقه، إنما فتحت له الأبواب والطرقات، وانهمر الناس عليه كأسراب الجراد، يرجون خضرته وثماره.

ذلك لأن من حظ هذا السوق، وكذا الذين استوردوه، وطبقوه: أن جاء بعد تغيرات كبيرة في عالم الاقتصاد الإسلامي، والاستراتيجيات الدعوية ؟.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٣٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٣٢٥