تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويؤيد هذا حديث زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه وهو يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وعقد سفيان الراوي بيده عشرة أي حلق حلقة) قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: "نعم إذا كثر الخبث" متفق عليه.

وهذا الحديث يوضح الحالة التي نزل بها العذاب العام، مع وجود الصالحين وهو كثرة الخبث.

وهو الفسق والفجور وقيل الزنا خاصة، قال النووي: والظاهر أنه المعاصي مطلقاً. ويلاحظ أنه لا يكون الإنسان صالحاً إلا وهو يؤدي الواجب عليه، ولو كان قادراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدرجة من الدرجات ولم يقم به لم يكن صالحاً.

المرتبة الثالثة:

أن يوجد من يقدرون على الدعوة والتغيير فلا يفعلون، أو الوعظ فيسكتون ولا ينتقلون عن مكان المنكر فيكونون مستحقون للعذاب لتقصيرهم كما قال تعالى: )وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا( [النساء:164].

فمن سمع آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها، وهو قادر على أن يغير ولم يغير، ولم ينتقل، فهو آثم بسكوته وبه يبدأ إذا نزل العذاب العام، كما في بعض الآثار، أن قرية أمر الله بهلاكها، فتقول الملائكة: "يا رب إن فيهم عبدك فلان فيقول: فبه فابدؤوا فإنه لم يتمعر وجه فيِّ قط"، أي لم يتغير وجه عند رؤية المنكر، ولذلك من كان يجلس على مائدة تدار عليها الخمر ملعون مثل من يشربها والعياذ بالله ذلك أنه مشارك لهم وهم يشربون.

وروى الإمام أحمد عن حذيفة ابن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم"، وفي رواية له قال: "أو ليبعثن الله عليكم قوماً ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".

وروى البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعاً: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيه كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها وأصاب بعضهم أعلاها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا لو خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعاً وإن اخذوا على أيديهم نجوا جميعاً" ورواه الترمذي في الفتن.

وهذه الأحاديث تختلف عن الأحاديث التي ذكرناها في المرتبة الثانية وذلك أن الساكتين عنا مقصرون آثمون مستحقون للعقاب في الدنيا والآخرة.

لأنهم غير صالحين لعدم قيامهم بالواجب، كما قال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ( [المائدة:105]. قال: "إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فلا يضرك من ضل إذا اهتديت" رواه ابن جرير عنه، وروى عن حذيفة وغير واحد من السلف مثل ذلك.

ومن هنا يظهر لنا أهمية الدعوة إلى الله في تحقيق الهدف الأول وهو الإعذار إلى الله وثمرته منع العقاب العام والفتنة الشاملة وهذا الهدف يتم تحقيقه إذا بلغ الحق للناس وظهر شعار الدين بين الناس كما قال تعالى: )وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ( [الكهف:29].

ومن اجل تحصيل هذه الغاية تجوز أو تستحب أو تجب الإقامة بين ظهراني الكفار والظلمة والفسقة كما أقام الرسل صلوات الله وسلمه عليهم أجمعين في ديار الكفر ووسط الكفار للقيام بواجب الإبلاغ، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة والأصنام حول الكعبة يراها صباحاً ومساءاً في بيت الله الحرام صابراً محتسباً لكي يبلغ الحق لجميع الناس.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٩٣