تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التورق نافذة الربا في المعاملات المصرفية

مجلة البيان - (ج 195 / ص 8)

دراسات في الشريعة

التورق

نافذة الربا في المعاملات المصرفية

د. محمد بن عبد الله الشباني

* مقدمة :

الواقع المعاصر للمعاملات المالية يتسم بالولوغ في الربا ، فلم يقتصر الأمر

على الربا الصريح الذي تمارسه البنوك التجارية وغيرها من المؤسسات المالية ،ولكن الأمر تعدى ذلك إلى توسيع نطاق الربا تحت مسمى المعاملات الإسلامية .

فدخل التعامل الربوي حياة فئات كثيرة من الناس كانت تتحرج من الاقتراض والإقراض الربوي ، ولكن وقعوا فيه من خلال ما تم طرحه من فتاوى صادرة من اللجان الشرعية لهذه البنوك تجيز الحصول على المال منها ، حيث تتسم تلك الفتاوى بانتهاج أسلوب البحث عن مخارج شرعية لتحليل الربا بإضفاء صيغة البيع على الاقتراض والإقراض الربوي .

وظهرت مسمّيات تزعم بأنها معاملات متوافقة مع الشريعة الإسلامية ، وذلك بالاتكاء على الفتاوى الصادرة من اللجان الشرعية لتلك البنوك ، وأصبح يُطلق على كثير من عمليات التحايل على التمويل الربوي مسميات مضللة ؛ مثل « التورق المبارك » ، و « التمويل المبارك » ، و « تمويل الخير » ، و « التيسير » ، و « تورق الخير » و « برنامج أتقى وأنقى » ، كبديل لما يعرف في البنوك التجارية بالودائع الآجلة ، وكل هذه البرامج من الإقراض والاقتراض تحت تلك المسميات ما هي إلا أكل للربا وتأكيله .

ولقد تحقق ما أشار إليه الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو داود و ابن ماجه و الحاكم و البيهقي عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا

أكل الربا ، فإن لم يأكله أصابه من غباره » ، وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة قال :

« يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فمن لم يأكله ناله من غباره » ، وقد

ورد في هذا المعنى حديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي

صلى الله عليه وسلم قال : « ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال ؛

أم من حلال أم من حرام » .

هذه الظاهرة بدأت في التجذر والاتساع في المعاملات المصرفية لتوسيع نطاق

الربا باستخدام ما يعرف في الفقه الإسلامي بصيغة « التورق » في شراء السلع

وبيعها ، وإدخالها في جميع المعاملات المصرفية ذات الطابع الإقراضي

والاقتراضي باعتباره مخرجاً من الربا ، سواء فيما يتعلق بتمويل الأفراد

والمؤسسات ، أو بإعطاء الفائدة للمودعين فيما يُعرف في المصطلح البنكي بالفائدة

على الودائع لأجل ، واستُخدمت صيغة التورق أداة ومخرجاً للإقراض والاقتراض

من قِبَل المصارف ، ولهذا فإن من الواجب الشرعي مناقشة حقيقة هذه الصيغة وما

ينتج عنها من عقود يتم التعامل بها من قِبَل البنوك التجارية ؛ بدارسة كيفية منحها

التمويل من خلال بيع المرابحة باستخدام صيغة التورق كحيلة لاستحلال الربا ،

وهذا ما سنعرضه من خلال الجوانب الآتية :

أولاً : الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة .

ثانياً : بيع التورق وعلاقته بالحيل الفقهية .

ثالثاً : ماهية الربا وحقيقته .

رابعاً : عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك .

خامساً : ربوية صيغة التورق كما تتم في البنوك .

* أولاً : الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة :

الحيل الفقهية أسلوب من الأساليب التي تُتبع ؛ إما للوصول إلى ما حرّمه الله

تحت غطاء الشرع ، وإما للبحث عن مخارج تحل بعض القضايا التي قد تتعارض

في ظاهرها مع القواعد والعلل التي يستند إليها الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي لأي

قضية من القضايا .

المعنى اللغوي للحيل والتي مفردها حيلة : عرفت في المعجم الوسيط

بـ ( تحيل كان حاذقاً جيد النظر قديراً على دقة التعرف في الأمور ) [1] ، وقد

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٥٥