المشروع التغريبي إذ يحمله الصحويون ؟!
محمد جلال القصاص [1]
في القرآن الكريم تتكرر الأحداث ، بل والألفاظ ، حتى أن القرآن الكريم يحكي عن المفسدين في كل العصور ذات الكلمات بنصها ، ثم يتساءل متعجبا ( أتواصوا به ) ويجيب مقررا ( بل هم قوم طاغون ) ، فالاشتراك في المفاهيم والتصورات ــ وهي هنا الظلم والطغيان ــ أدى إلى تطابق الخارج من الجوارح .
نعم تتشابه القلوب فتتكرر الكلمات والأفعال والمواقف ، في الخير والشر ، وفي ثنايا السيرة شواهد عديدة ؛ يُشبَّه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بمؤمن آل فرعون ، وعُروة بن مسعود الثقفي بالرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى[2] ، وأبو جهل بفرعون[3] ، وأمية بن أبي الصلت بالذي آته الله آياته فانسلخ منها[4] ... وقريب من هذا " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ[5] " و " لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ[6] . وغير هذا كثير .
وفي الواقع المعاصر عجيبة لم أراها في التاريخ كله ، وهي أن الأحداث ... المشاريع ... تتكرر على مسافات قريبة جدا بذات الآليات . ولا يستطيع أحد أن يوقفها ، مع أن الأحداث تُنقل بالصوت والصورة من كل مكان في كل مكان . وهذا الأمر كثير جدا ، وبيِّن جدا في رحيل الاستعمار وتولي القوميون . . . العلمانيون ، تم الأمر بذات الطريقة تقريبا في كل الدول ، وذات الشيء يحدث في ما يعرف بتغريب المجتمعات الإسلامية ،وهو ما أردت الحديث عنه في هذا المقال .
أقول : بعد فشل المشروع التغريبي في مصر ، وقيام الصحوة الإسلامية على أنقاده ، بعد إفلاسه وانقلاب بعض كوادره وجمهوره عليه[7] ، بدأ يظهر في أماكن أخرى من العالم الإسلامي المحافظ الذي تربى على التوحيد ودعى إليه في جميع أنحاء المعمورة ، وبذات الآليات ، وعلى ذات المحاور ، وبذات الأفكار التي كانت . !!
ولا يستخفنك العجب وتمهل .
سأعرض عليك الخطوط الرئيسية للمشروع التغريبي في مصر لتعلم كيف أنها اليوم تتكرر .
بدأ المشروع التغريبي في مصر على عدة محاور ــ وكل محور كان يتطور في نفسه ويتعاون مع غيره ــ ؛ كان من أهمها حسب الترتيب الزمني :
ـــ البعثات العلمية ، التي أخرجت للمجتمع المصري فئة من ( المثقفين ) تشبعوا بحبِّ الغرب ، وراحوا يكتبون عنه بما يُحسِّن أحواله ، ويطالبون من طرف خفي أولا ثم على الملأ بعد ذلك أن يتخلى المجتمع المصري عن توجهه ( المحافظ ) وينفتح على العالم ؛كي يتقدم ويرتقي كما تقدم القوم وارتقوا .
ـ المدارس الخاصة ، ذات الخلفيات الدينية العلمانية في مناهجها أو مدرسيها ومدرائها [8]، وهذه كانت إحدى المصائب الكبرى التي رُميت بها الأمة في مصر وتركيا وغيرهما ، وكان لها أثرا كبيرا في المجتمع بعد ذلك ، والكلام فيها يطول . وهو مبثوث منشور في أماكن عدة ومن شاء أن يطلع فليفتش [9] .
ويلاحظ أن أصحاب البعثات وخريجي المدارس الخاصة ، كان لهم وضع خاص في الهيكل التوظيفي في الدولة يومها ، ومازال الحال كما هو إلى اليوم .
ــ المجلات والصحف ، كانت إحدى المحاور الرئيسية أيضا ، فبعضها كان ثقافي تنظيري يتحدث عن القضايا الجديدة وينظر لها ، وبعضها كان يرتدي ثوب ( الأدب ) ، يجدد في الأدب ، وتجديده كان معولا في جدار الشريعة ، ولك أن تراجع ما كتبت يدُ إيليا أبو ماضي ، وجبران خليل جبران . وغيرهما ممن تطاول على عقيدة القضاء والقدر ، وبعض المجلات عملت على ترويض أصحاب الهمم الدنيئة من الذين في قلوبهم مرض بإظهار الكاسيات العاريات المائلات المميلات ، وبث أخبار الفن والفنانين ، وتلميعهم في أعين الناس ليكونوا ( أبطالا ) يحتذي بهم .
ــ الوطنية وهي القَدُوم الذي تكفل بقطع أواصل الولاء ودق وتَد البراء ، فخرجت الحركات الوطنية التي عقدت الولاء على الوطن بحدوده المصطنعة ، ونظرت ( للآخر ) على أنه محتل ذي أطماع اقتصادية وعنجهية عنصرية ، وتعامت عن أنه كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرم ما حرم الله ورسوله ولا يدين دين الحق ، وأن المسلمون أمة واحدة .. كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .