ذكر الأسباب التي يرى الدكتور إبراهيم عبد الناصر تحريم الربا لأجلها والرد عليها
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 18 / ص 137)
دراسة لمقال الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر
موقف الشريعة الإسلامية من المصارف
للدكتور / محمد بن أحمد الصالح (1) .
تقديم : الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه .
أما بعد : فقد قرأت هذا المقال القيم المتضمن الرد على ما كتبه الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر في موضوع الربا تحت عنوان : موقف الشريعة الإسلامية من المصارف . الصادر من فضيلة الدكتور محمد بن أحمد بن صالح ، فألفيته قد أعطى المقام حقه واستوفى الأدلة الدالة على بطلان ما حاوله الدكتور إبراهيم من تحليل أنواع الربا ما عدا مسألة واحدة ، وهي : ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على التأجيل بفائدة معلومة . ولا ريب أن ما حاوله الدكتور إبراهيم في بحثه المذكور من تحليل أنواع الربا ما عدا المسألة المذكورة ، قد حاد فيه عن الصواب بشبه واهية أوضح الدكتور محمد في مقاله المذكور بطلانها وكشف زيفها . فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته وجعلنا وإياه وسائر إخواننا من أنصار الحق .
ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة الصحيحة علم تحريم ربا الفضل وربا النسيئة في جميع الصور التي تتعامل بها البنوك وبعض التجار الذين
(1) ورد لكاتب البحث ترجمة في العدد العاشر ، ص 304
لا يتحرجون من المعاملات الربوية . وقد توعد الله المرابين بأشد الوعيد فقال سبحانه ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (1) ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ (2) ، وقال عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (3) ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ (4) ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء . » (5)
والأحاديث في تحريم الربا بأنواعه كلها كثيرة جدا ، فالواجب على كل مسلم أن يحذر المعاملات الربوية وأن يبتعد عنها وألا يغتر ببعض من زلت قدمه في تحليلها أو التساهل فيها .
ونسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يوفق أخانا الدكتور محمد بن أحمد للمزيد من العلم النافع والعمل الصالح وأن يشكر له سعيه ويجزل مثوبته .
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 276
(3) سورة البقرة الآية 278
(4) سورة البقرة الآية 279
(5) صحيح البخاري اللباس (5617),سنن أبو داود البيوع (3483),مسند أحمد بن حنبل (4/308).
وأن يهدي الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر للحق وأن يلهمه رشده ويعيذه من شر نفسه إنه جواد كريم . وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد .
بداية الدراسة : يتضمن هذا المقال : محاولة إثبات أن الربا الذي جاء القرآن بتحريمه غير متحقق في معاملة المصارف بالاستدانة منها بفائدة يحددها المصرف ويلتزم المستدين بدفعها إلى المصرف مع أصل الدين ، ومن ثم تكون هذه المعاملة مشروعة .
وقبل أن نناقش ما جاء في هذا المقال نحب أن نقرر هنا أمورا : أ ) إن إخضاع الشريعة لواقع الناس في معاملاتهم وتصرفاتهم غير جائز شرعا ، ومن ثم يجب رفضه ؛ لأن الشريعة حاكمة يخضع الناس لأوامرها ونواهيها ، وليست محكومة لواقع الناس وأهوائهم وأغراضهم يتبعونها عندما تحلو لهم ، وينأون عنها إذا لم تصادف هوى في نفوسهم ، يقول الله تعالى في تقرير هذا المبدأ : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (1) . ويقول جل شأنه : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ (2) ، ويقول عز وجل : ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (3) .
إذن فمحاولة إضفاء الشرعية على العملية المصرفية المذكورة وما يترتب عليها من فوائد تبريرا لما يتعامل به الناس مع المصارف أمر غير جائز شرعا ؛ لأنه هدم للشريعة ومحاولة للتخلص من اتباعها .
ب ) إن فقهاء الأمة في كل عصر ومصر مطالبون بإيجاد البديل عن
__________
(1) سورة النساء الآية 65
(2) سورة الأحزاب الآية 36
(3) سورة النور الآية 51