الغبن في الفقه الإسلامي
بقلم
للشيخ المحامي الدكتور مسلم اليوسف
مدير معهد المعارف لتخريج الدعاة في الفلبين سابقاً
و مدير مكتب جامعة سانت كلمنتس العالمية في حلب سورية
و الباحث في الدراسات الفقهية و القانونية
إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
و أ شهد أ ن محمداً عبدُه و رسولُه .
] يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون [ .
] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَتَسَاءَلونَ بِهِ وَ الأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ .
]يَا أ يها الذين آ منوا اتقوا الله و قولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً [ .
أما بعد :
فهذا بحث في الغبن بينت فيه أقوال أهل العلم و اجتهاداتهم حيث أن الغبن في الفقه الإسلامي تتنازعه للإعتداد به كعيب مؤثر في العقود عدة اجتهادات صنفتها إلى اجتهادين :
الاجتهاد الأول : يرى أن الغبن المجرد موجب لفسخ العقد عند تحققه .
و الاجتهاد الثاني : يرى ضرورة تزواج الغبن بالتغرير حتى يؤثر في صحة العقد .
و مما تقدم بقسم - بعون الله - هذه المبحث إلى عدة فروع :
الفرع الأول : الغبن المجرد موجب لفسخ العقد .
الفرع الثاني : الغبن المقترن بالتغرير هو الموجب لفسخ العقد .
الفرع الثالث : مناقشة أقوال و أدلة الفريقين و الترجيح بينهما .
الفرع الأول
الغبن المجرد موجب لفسخ العقد
ذهب ثلة من فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أن للغبن أثره في إعطاء المتعاقد المغبون حق الخيار لفسخ العقد أو عدم فسخه ، و ذهب إلى هذا الاجتهاد ظاهر مذهب الإمام مالك1 ، و ابن حزم الظاهري2 و الحنفية 3في قول مرجوح و الحنابلة4 .
و استدل أصحاب الاجتهاد الأول بما يلي :
أ - الكتاب :
استدل أصحاب هذا الرأي على صحة اجتهادهم بقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) ( النساء :29 ) يخاطب البيان الإلهي المؤمنين موجهاً إياهم بألا يأكلوا أموال بعضهم البعض بالباطل .
و لاشك بأن الغبن هو أحد أوجه هذا الباطل المحرم أكله على المؤمنين .
ب - السنة :
1. عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي مرفوعاً : غبن المسترسل ربا ) .5
2. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى : أن لا ضرر و لا ضرار ) .6
و لا جرم أن الغبن نوع من أنواع الضرر الذي يجب إزالته إذا وقع بكل أشكاله و درجاته .
3. عن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ، حرم الله عليه الجنة ، و أوجب له النار . قالوا : و إن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ قال : و إن كان قضيباً من أراك ، و إن كان قضيباً من أراك . قالها ثلاث مرات .7
وجه الاستدلال بهذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن من اقتطع حق امرئ مسلم مهما كانت قيمته و إن كان قضيباً من أراك فإن نصيبه النار ، و لا جرم أن الغبن من ضمن أحكام هذا الحديث .
5. الأثر :
1. روى ابن حزم عن ابن سيرين : أن رجلاً قدم المدينة بجواري فنزل على ابن عمر فذكر الحديث ، وفيه أنه باع جارية من ابن جعفر ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن غبنت بسبعمائة درهم . فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر، فقال : أنه غبن بسبعمائة درهم فإما أن تعطيها إياه و إما أن ترد عليه بيعه ، فقال ابن جعفر ، بل نعطيها إياه .8