تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إعصار جونو

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

المحذر من شؤم المعصية اليوم غريب..!!..

لقد انتصر المنكرون؛ الذين ينكرون ربط الذنوب بالعقوبات والمصائب.. انتصروا، ليس لملكهم الحجة والحق، بل لأن من يملك الحجة، ويعرف الحق سكت ؟!!. أو تغير، وتطور، وتجدد!!.

كان التحذير من آثار المعاصي صوت لا يعلوه صوت.. يذكر الناس، ويردع المجاهرين والمستهترين، لكن اليوم علا صوت من يفلسف البلايا، والمصائب، والكوارث التي على تقع على الناس والبلاد، بأنها ظواهر طبيعية، أو حسابات اقتصادية، أو تحولات اجتماعية، أو تطورات عصرية.

وهذه خسارة، الخاسر فيها الإنسان، الذي لن يدرك بهذا سبيل الخروج من الأزمات التي تمر به أبدا. والخاسر فيها الأمة، التي لن تدرك الطريق لحل أزماتها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، والأمنية..

الصوت الذي يربط بين المعاصي والعذابات التي تلحق بالناس؛ أفرادا وجماعات، هو الصوت ينفع الناس.. والصوت الذين ينكر الربط هو الصوت يغر الناس ويضرهم.

* * *

العقوبات عموما أثر عن المخالفات المتعمدة خصوصا، وغير المتعمدة أحيانا. فأنت إذا كنت مسؤولا: تعاقب من خالف القانون والنظام.. لم ؟.

لأن المخالفة ضارة بالقانون والنظام، ومن ثم بالمصلحة العامة والخاصة، التي وضع القانون لأجلها، فمصلحة الناس لا تتحقق إلا بالخضوع للقانون والنظام، فهي متضررة بمخالفتها.

فالقانون، والمخالفات، والعقوبات. هذه الثلاثة إذا وجد واحد منها وجد الباقي، فوجود القانون يعني وجود المخالفات، ثم العقوبات؛ لذا فلا تجد قانونا يخلو من ذكر المخالفات والعقوبات المناسبة لها.

فهذا المثال مسلّم به عند الجميع، وعليه فلا إنكار على من ربط بين الذنوب والمصائب الخاصة والعامة؛ فأصل علة وسبب العقوبات ثابت بالمثال الآنف، وهو: المخالفات.

بقي إثبات ارتباط المصائب بالذنوب، أو بعبارة أخرى: إثبات أن الذنوب هو السبب المعين للمصائب العامة والخاصة. فنقول:

الشريعة قانون إلهي، وجودها يعني وجود المخالفات، ثم العقوبات، وهو كذلك، فالمخالفات هي المحرمات؛ هي: ترك العمل بالفرائض، وفعل المحرمات. فإذا وقعت المخالفات هذه استوجبت العقوبات الفردية والجماعية بحسبها؛ فكما أن مخالفة القانون يفضي إلى الضرر، وتعطيل المصلحة العامة والخاصة: كذلك مخالفة القانون الإلهي، لكن بزيادة أن الضرر هنا يشمل الدين والدنيا.

فالمقارنة وحدها كافية في إثبات: أن المخالفات الشرعية سبب العقوبات الإلهية. وعندنا زيادة أدلة: هي النصوص الصريحة، الصحيحة المخبرة أن فعل المخالفات يوجب العقوبات، هي على نوعين:

- عقوبات دينية، وهي على قسمين:

o في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة..﴾، فهذا مثال لمخالفة استوجبت عقوبة دينية في الدنيا.

o وفي الآخرة، فالنصوص المخبرة بعذاب أهل الكبائر: آكل الربا، القاتل، الزاني.. إلخ.

- عقوبات دنيوية، هي المصائب تقع على الإنسان في: نفسه، وخاصته من أهله وماله. أو تقع على الأمة: في حرثها، ونسلها. هي الشاملة كالبراكين، والزلازل، والأعاصير، والفيضانات، والأمراض، والفقر.. إلخ، كما في قوله تعالى:

o ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾.

o ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.

فبحسب النصوص السابقة، فكل ما يقع من مصيبة فبذنب، وفي الأثر في دعاء العباس عام الرمادة، لما استسقى: (اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة)، وإذا كان المخالف للنظام والقانون في بلد عرضة للعقوبة، إلا إذا ارتحل إلى بلد آخر، فربما نجا، فإن المخالف للقانون الإلهي هو عرضة للعقوبة في كل وقت، وكل مكان، بأنواعها.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٧٨