تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هوس الأسهم

سلمان بن يحي المالكي

الخطبة الأولى

فإن الله جل وعلا خلق المال وقسمه بين عباده ، وأضح لهم أنه زينتهم في دنياهم فقال " المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدنيا " وذكّرهم بالآخرة فقال " والباقياتُ الصالحاتُ خير عند ربك ثوابا وخيرٌ أملا " وجعل قيامه بينهم من أهم مصالحهم ، فلا تقومُ الحياة إلا به فقال " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " وجعل حُبَّه غريزةً في نفوسهم فقال " وتحبون المال حبا جما " وأمر بأخذه من حلِّه وإنفاقه في حله ، وأوجب على الخلق أداءَ حقوقه وواجباته فقال " وفي أموالهم حق معلوم " وأمر بالتوسط في إنفاقه فقال " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " وبيّن أن كنز المال من أسباب عذاب الآخرة فقال " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " وكل مال أوديت زكاته فليس بكنز ، وجعل العقوبة بقطع اليد زجرا وتغليظا لمن سرقه من صاحبه فقال " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم " وأمر الرسل بالأكل من الطيبات فقال " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " وحرم علينا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل فقال " يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وأمر بوجوب الأمانة بحفظه وأدائه فقال " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون "

عباد الله :

لقد كان المال محترما في الشريعة ولا زال ، والله سبحانه يريد أن تُتناول الأموال بين العباد ليستفيدوا منها ، ولذلك لم يجعلْ الفيءَ في أيدي الأغنياءِ يوزعوه كيف ما شاءوا ، بل جعل له مصارفَ تُصرف فيه " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم " [ أي كي لا يبقى بين الأغنياء يتصرفون فيه بمحض إرادتهم وآرائهم وشهواتهم فلا يصرفون منه شيئا لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ]

أيها المسلمون :

لقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم المال الحلال الذي يعين صاحبه على الحق فقال " نعم المالُ الصالح للرجل الصالح " وقال " لا حسد إلا في اثنين , رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق " وجه النبي صلى الله عليه وسلم أحد صحابته بتوجيه نبوي رشيد فقال " إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " فهذا المالُ يورّثُه المسلمُ لورثته بعد موته ليرتاح ضميرُه وتطمئن نفسُه وينتفع به أهلُه ، وقد كان أبو بكرٍ من أتجر قريش ، ولما قُتل عثمانُ رضي الله عنه بلغت غلّتُ نخله مائةُ ألف ، وكان عبد الرحمنِ بنِ عوف يقول " يا حبذا المالُ أصون به عرضي وأتقربُ به إلى ربي " فلما مات كانت الفؤوس تتكسر على الذهب والفضة التي خلّفها لأهله وكان له أربع نسوة ، نصيب كل واحدة منهن : أربعمائة ألف درهم ..

عباد الله :

المال فتنة ، وقد مدح الله رجالا لا يلتهون به عن ذكره فقال " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامٍ الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ، ليجزيهم الله أحسنَ ما عملوا ويزيدَهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب " وهذا المال وإن كان من أسباب السعادةِ في الدنيا فقد يكون شقاءً على صاحبه إذا صرفه عن ذكر الله وأورده المحرمات وجعله أشِرا بطِرا مختالا فخورا ، وهذا من كبراء اليونان صاحبُ جزرٍ وأساطيل ، وطائراتٍ ومليارات ، حماماته من الذهب ، كان يتباهى بمالهِ وثروته ، فمات وقد بنى لنفسه قبرا كالقصر ، فكان يقول لأصدقائه وأصحابه : إذا ما مت فإنه يجب عليكم أن تأتوا وتشربوا عند قبري الخمر حتى أخرج وأشرب معكم ، فمات لكن في طائرته المحترقة التي هوت به من السماء ولم يدخل ذلك القبر الذي بناه ، فآلت تركته إلى ابنته التي ماتت منتحرة في السابعة والثلاثينَ من عمرها ، فآلت التركة بعد ذلك إلى حفيدته التي ماتت في حادثٍ أليم ، ليكون الوريث بعد ذلك للمال كلبها ..

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٤٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٤٩٢