تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

===============

ضرورة تنمية ثروات المسلمين

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) (آل عمران:102). (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) (النساء:1). ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) (الأحزاب:70-71).

أما بعدُ : فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ أيها المسلمون:

فقد عاشت الأمةُ قروناً طويلَة من الغفلةِ والضياع, والنومِ والسُباتِ العميق, حتى إذا ما أفاقت من غفلتِها وصحتْ من رقدتِها, إذا بها تجدُ نفسَها ممزقة العقائد, مبعثرةَ الأجزاء, منهكة القوى, ممَّا حدا ببعضِ المخلصين إلى محاولةِِ صُنعِ شيءٍ ما, يُُخلِّص أمتَهم من محنتِها, وينتشلُها من تخلفِها وتبعيتِها, فإذا بآمالهمِ وأحلامِهم تصدُم بعقبةٍ كؤود من قلةِِ الإمكاناتِ وشحِّ الموارد، وضُعف التمويل, إنَّ لديهم آمالاً في بناءِ المساجد, وإنشاءِ المدارسِ والمعاهد، لكنَّ المالَ شحيحٌ في أيديهم, إنَّ لديهم آمالاً في طباعةِ الكتبِ وكفالةِ الدعاة، لكنَّ المالَ شحيحٌ في أيديهم. إنَّ لديهم آمالاً في رعايةِ الأيتامِ والأرامل، وتعاهدِ الفقراءِ والمحتاجين، لكنَّّ المالَ شحيحٌ في أيديهم, إنَّ لديهم آمالاً في إطعامِ الجوعى, و إ رواءِ العطشِ وسترِ العُراة، لكنَّ المال شحيح في أيديهم. فما الحلُ يا ترى ؟! هل يكونُ الحلُ باستجداءِ أربابِ الأموال طلباً لإحسانِهم وصدقاتهم؟ أم يكونُ الحلُ باستعطافِ السحابِ أن يُمطرَ ذهباً وفضة ؟!أم يكون الحلُ برفع الرايةِ البيضاء, وإعلانِ الهزيمة والتراجع أمام ضغطِ الواقعِ ومرارتهِ ؟!أم يكونُ الحلُ فيما أرشدَ إليه النبيُ r بقوله (( لأن يغدوَ أحدُكم فيحطُب على ظهرهِ خيرٌ له من أن يسألَ رجلاً أعطاهُ أو منعه ذلك, فإنَّ اليدَ العُليا أفضلُ من اليدِ السفلى, وابدأْ بمنْ تعول)) [1].

فهلْ فقهَ الخير ونَ هذا التوجيهَ النبويَ الكريم، فشمروا عن ساعدِ الجدِ والرجولة, ومشوا في مناكبِ الأرض يبتغونَ من فضل ِالله ويُعفُّون أنفسَهم, ويساهمونَ في مشروعاتِ الخير ِالمعطلة، يومَ بخلَ في تمويلِها عبدةُ الدينارِ والدرهم, هل فكَّر الشباب الخيِّر ون في استثمارِ طاقاتِهم, واستغلالِ إمكاناتِهم, وأصلحوا النيَّة والقَصد, ونزلوا الميدانَ بقوةٍ وذكاء، ليكونَ ما اكتسبوه من الرزقِ الحلال سبباً لنفعِهم, واستغنائِهم من جهة، ورافداً من روافدِ دعمِ الدعوةِ ومشروعاتِ الخيرِ من جهةٍ أخرى, أليس في توجيهِ النبيِ صلى الله عليه وسلم أكبرُ دليلٍ وأوضحهُ إلى ضرورةِ الأخذِ بأسبابِ الكسب، وتنميةِِ الموارد نصرةً للدين و إ عفافاً للنفس, وإحساناً للآخرين. تُرى لو امتلكَ الخير ونَ الثروة مع حسنِ القصدِ وسلامةِ التدبير، كيف ستكونُ عليه أحوالُ المسلمين؟! وكيف ستؤولُ إليه أوضاعُهم؟!وكم من المعاهدِ العلميةِ المنتجة سيرفُعونها ؟!كم من الكتبِ النافِعة المؤثرةِ سيطبعُونها؟! كم من الملاجئِ والمساجدِ سيبنُونها ؟!كم من الآبارِ سيحفُرونها؟ وكم من الأجسادِ العاريةِ سيكسُونها ؟!لو امتلك الخير ون الثروة مع حُسنِ القصدِ وسلامةِ التدبير. كم من أسرةٍ فقيرةٍ سيكفُلونها ؟وكم من أرملةٍ محرومةٍ سيسعدُونها ؟!وكم من فئةٍ مريضةٍ سيعالجُونها ؟!هاك - يرحمك الله - حديثاً صحيحاً تتبينُ من خلالِه كيفَ تكونُ رجاحةُ العقل, وسخاءُ النفس, وسلامةُ التدبير حين تقع الثروةُ في يد رجلٍ صالحٍ يتقي الله ويراقبُه, لم يستولْ الجشعُ عليه, ولم تعرفْ الأنانيةُ طريقاً إليه، فهو يشعُر بالآخرين ويدركُ حاجتَهم, ويحسُ بمعاناتِهم. استمعْ إلى حديثِ أبي هريرةَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لترى كيفَ يتصرفُ الخير ونَ بأموالِهم، وكيف يديرونَ ممتلكاتِهم، لتشملَ ببركتها الأقربينَ والأبعدين (( بينما رجلٌ في فلاةٍ من الأرض فسمع صوتاً في سحابة، اسقي حديقةَ فُلان فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءَه في حرة فإذا شرجةٌ من تلك الشِراج قد استوعبتْ الماءَََ كلَّه, فتتبعَ الماء، فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقةِ يُحوِّلُ الماءَ بمساحاته, فقال له ما اسمك يرحمك الله ؟!قال : فلان فإذا به ذاتُ الاسمِ الذي سمعهُ في السحابِ قبلَ قليل فتعجب، وأردف سائلاً مرة أخرى !!إنِّي سمعتُ صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول أسقي حديقةَ فلان فما تصنعُ فيها ؟!قال : أمَّا إذ قلتَ هذا, فإنِّي أنظُر إلى ما يخرجُ منها فأتصدقُ بثلثهِ, وآكل أنا وعيالي ثلثَه, وأردُّ في الحديقةِ الثلثَ الباقي)) [2]!!

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٩٨