وقريب جداً من هذا مسألة التورق وصورته لو أن رجلاً لا يجد من يقرضه فيشتري سلعة من السوق بالتقسيط بسعر مائة وعشرون، وهو يعلم أنها تساوي مائة، فيبيعها بمائة، وهذا التورق بيع عينة من ثلاثة أطراف (1).
فالتعامل بالتقسيط بدون ضوابط شرعية يوقع الناس في الربا كثيراً والعياذ بالله بنوع من التحايل، فالتقسيط نفسه جائز ولكن بضوابطه الشرعية.
فما يتم في المعارض مثلاً من أنهم يأتون بسلع لا يملكونها، ولا يشترونها، ولكن يقولون: نحن نحضر لك السلعة التي تريدها، وسندفع لك الثمن، وسدد لنا أنت بعد ذلك، فهذا الوسيط الذي لا يمتلك السلعة، ولكن يبيعها قبل تملكها وقبضها، والواجب أن يستلم السلعة وتقع في ضمانه، ثم يبيعها بعد ذلك، وله الحق في أن يربح، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، فأما أن يقول له اشتري ما تريد، وأنا أسدده لك وأنت تسدد لي بعد ذلك، فهذا هو القرض الذي جر نفعاً بلا شك وطالما أنه لم يحز السلعة ولم يمتلكها في يده، ويقبضها لا يجوز أن يربح فيها.
وهذا نوع من التحايل على ما حرم الله عز وجل، لذلك نقول: الحذر واجب من التحايل على الشرع، خصوصاً في باب الربا، فإنه من أخطر الأبواب التي يقع فيها كثيراً من الناس من التحايل على شرع الله كما فعل اليهود في هذه القصة.
بدأ الأمر كما ذكرنا بأنهم صاروا يعتادون في السبت بهذه الطريقة، وهو أنهم ينصبون الشباك يوم الجمعة، ويأخذون السمك يوم الأحد، وقيل إنهم حفروا حفراً يقع فيها السمك عندما يمد البحر، ثم إذا جاء الجذر عجز السمك عن الخروج من الحفر، فيتناولنه يوم الأحد فالله أعلم، لكنهم كانوا يتحايلون بطريقة معينة على عدم الصيد يوم السبت.
(5)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفوائد الدعوة إلى الله:
هنا انقسم المجتمع في هذه القرية إلى ثلاثة أقسام:
1- قوم معتدين يفعلون هذه الحيلة المحرمة.
2- قوم آخرون رفضوا ذلك، وأبوا، وهم قوم صالحون نهوا المسيئين عن ذلك، ودعوا إلى الله عز وجل وشرعوا ينهونهم عن الاعتداء في السبت.
3- أمة ثالثة سكتت عن الدعوة، وليس هذا فقط، بل شرعت تيئس الدعاة، قال تعالى: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف:164]، فهذه الطائفة قالت للدعاة إلى الله نحو ما نسمع اليوم "لا فائدة"، "لا تتعبوا أنفسكم"، "هل أنتم الذين تصلحون الكون"، "الفساد مستمر"، "ولن تأتي الدعوة ثمرتها"، "بل لابد أن يهلك هؤلاء على ضلالهم".
وهذا الصنف نوع من الناس لا يريد المشاركة الإيجابية في تغيير الشر والفساد، فهو يعلم الخير من الشر، ويشعر بالتأنيب من نفسه اللوامة لأنه مقصر، ويود لو أن الناس كلهم مقصرون، ولذلك يقول لغيره دع عنك إتعاب نفسك، ودع عنك ما تبذل من دعوة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فإنه لا فائدة!!.
وهذا منه تبرير لموقفه السلبي في ثوب نصيحة، ولا شك أن هذا جهل كبير منهم بفوائد الدعوة إلى الله تعالى، على الداعي نفسه، وعلى المجتمع بصفة عامة.
وإن كان الدعاة إلى الله أفهم لوظيفتهم وواجبهم الذي افترض على الأمة من هؤلاء الذين يثبطون الدعاة دائماً، ذلك لأن الدعاة يعلمون أن الدعوة إلى الله لها هدفين أساسيين، ولا تخلوا من فائدة طالما وجد هذان الهدفان.
الهدف الأول وهو الأثر العام للدعوة:
إبلاغ الحق للناس أعذاراً إلى الله عز وجل، فإنه يكون لنا عذر بين يدي الله سبحانه، إذا كان المنكر يفعل فقلنا للناس إنه منكر، وبلغناهم شرع الله عز وجل، وهذا الهدف يحصل بمجرد فعل الدعوة، وبمجرد إبلاغ الحق للناس سواء استجابوا أم لم يستجيبوا، التزموا أو لم يلتزموا، قبلوا الدعوة أو لم يقبلوها، فذلك حاصل بدون النظر إلى النتيجة، وهذا يثاب عليه العبد بين يدي الله في الآخرة ويثاب في الدنيا بمنع نزول العقاب العام ومنع تعذيب الجميع، وذلك أن تعذيب الجميع ونزول الفتن التي لا تخص الظلمة فقط، إنما يقع عندما يظهر المنكر ولا يغيره أحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب"، فالإعذار هنا معناه إظهار كراهيتنا للمنكر، وعذرنا بين يدي الله أننا بلغنا الحق.