أما الذي يتعلل بأنه لا يفعل شيئا من ذلك لأنه مشغول ، لماذا لا يقرأ أقرأن ؟ لماذا لا يحفظ القرأن ؟ لماذا لا يتعلم العلم الشرعي ؟ لماذا لا يدعو إلي الله ؟ لماذا لا يصاحب أهل الخير والتقوى و الصلاح ؟ يقول : مشغول ليس عنده وقت .
فلو كان هذا الرزق حلالا كله لكان من علامات بعده من الله أن يكون مشغولا عن ربه سبحانه و تعالي و عن طاعته كما قال عز و جل "يا بن أدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا و أملا يديك شغلا "
وخصوصا إذا كان الرزق لا يشعره بالكفاية ، يعني أنه مشغول علي الدوام ليلا و نهارا و مع ذلك لا يجد أن ذلك الدجل يكفيه ، يريد أكثر ، كما قال النبي صلي الله عليه و سلم : (لو كان لابن أدم و أديا من ذهب أحب أن يكون له و أديان و لو كان له و أديان لابتغي لهما ثالثا ، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله علي من تاب ).
فهذا حال الغني المط غي الذي لا يشبع صاحبه أبدا من الدنيا ، ينال منها ويظل يريد المزيد -والعياذ بالله- وكذلك الفقر المنسي ، علي الطرف الأخر المملوءة يدا صاحبه بالشغل ولا يجد الكفاية لتباعده عن الله ، لو أنه اقترب بإرادته وهمه من الله سبجابه وتعالي ليسر الله له ما يكفيه ، دون أن ينشغل الشغل الكثير .
قال :"ابن آدم تفرغ لعبادتي " وهل يعني ذلك أن نجلس في المسجد ونترك أعمالنا وأشغالنا ؟
ليس بالطبع هذا هو المقصود ، إنما التفرغ معناه أن يكون الهم و الإرادة هما واحدا ، ف (تفرغ لعبادتي ) معناه : اجعل همك طاعة الله وعبوديته ، العبادة بمفهومها الشامل الذي يشمل العبادات الظاهرة و الباطنة وكل مظاهر حياة الإنسان ،" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .لا شريك له وذلك أمرت وأنا أول المسلمين " .
فالصلاة والنسك (الذبح) والحياة والموت كل ذلك لله عز و جل فلابد إن نسير في كل أمورنا وفق شرع الله وعلي سبيله وعلي صراطه المستقيم ، فمعني : "تفرغ لعبادتي " إن يكون هم الإنسان مرضاة الله عز و جل و أن يطيع الله عز و جل ، فيمكن أن يكون في زواجه في عبادة ، وفي عمله في عبادة ، وفي سيره في عبادة ، وذلك لأن نيته وإرادته انصرفت إلي تحقيق مرضاة الله سبحانه وتعالي ، وليس المقصود أن يترك أعمال الدنيا والتكسب و الرزق ، ويجلس في المسجد ، ويقول : أتفرغ للعبادة ، ليس هذا هو المقصود ، ولكن تفرغ لعبادتي بمعني اجعل الهم هما واحدا واصدق في أنك تريد مرضاة الله فإذا تعارض شىء من الدنيا مع مرضاة الله قدمت مرضاة الله سبحانه وتعالي قطعا ، ولم تقدم شيئا من الدنيا علي طاعة الله وطاعة رسوله صلي الله عليه وسلم.
فلا يتصور مسلم يقول: إنه يترك الصلاة في وقتها أو في الجماعة من أجل أنه مشغول بعمل ، فهذا نقص بلا شك و هذا ليس بالمسلم الكامل الذي يؤدى حق الله عز و جل ، فالذي يفرط في واجبات الشرع من أجل أنة مشغول بالدنيا بعيد عن الله.
والأشد بعدا المشغول بشغل حرام -والعياذ بالله- وعمل حرام ، يأكل الربا ، أو يغش الناس ،أو تعامل بالميسر و القمار ، ويتكسب المكاسب المحرمة أو يعمل أي عمل يعين فيه علي معصية الله -سبحانه وتعالي- فهذا في خطر عظيم ، وهذا هو البعيد … أبعد الناس عن الله سبحانه وتعالي.
نعود إلي قصتنا فنقول : كان هذا الابتلاء من عز وجل لهذه القرية لعلهم يتوبون،كان لابد لهم أن يفكروا لماذا ضاق الرزق ، لماذا وجدنا الفقر ، لابد أن هناك سبب ، كان لابد أن ينظروا هذه النظرة ويفكروا هذا التفكير ، وهو أن الفسق هو السبب ، كما قال سبحانه وتعالي :"وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير "
وليس المطلوب أن يكون الإنسان ذا مال كثير، فحاجة الإنسان تحصل بالكفاية، أي أن يجد ما يكفيه كما دعا النبي صلي الله عليه وسلم "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا "، القوت هو الذي يكفي ،دون أن يحتاج لأحد ،فهذا هو المطلوب ، وهذا مع طاعة الله هو أمثل الأحوال وهو أفضل ما يكون مع أن النفس الإنسانية بطبيعتها الجاهلة الظالمة تريد الزيادة علي الكفاية ، وتريد أكثر وأكثر ،ولكن النبي صلي الله عليه وسلم بين أن أفضل الرزق هو ما اختاره لنفسه ولأهله وهو القوت الذي لا يكون أنقص مما تحتاج فيضرك ذلك ، بأن تضطر إلي سؤال الناس ، ولا زائدا عن الحاجة فيشغلك فلذلك نقول أن الرزق عندما يضيق بالإنسان إلي درجة الفقر المنسي أو يتسع إلي الغني المطغي فلابد أن ينظر إلي أنه مقصر في طاعة الله.