تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(3)

الحرام قليل والحلال كثير

نلحظ من هنا أمرا من أصول التشريع وذلك باستقراء ما شرعه الله لعباده ، نجد أن الحرام في الأصل هو القليل ، وأن الحلال في الأصل هو الكثير ، فالمحرم يوم واحد و المباح ستة أيام في شريعتهم ، وكذلك أمرنا نحن ، فإن الله _عز وجل _ إينما أمرنا نترك العمل في وقت وجيز فقط ، وانظر في سائر ما حرم الله غلي عباده نجد هذا الأمر أيضا ، تجد الحرام قلة والجلال كثرة قال الله عز وجل ، هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا.. كل ما في الأرض حلال، ماذا استثني الله عز وجل ؟

استثني الميتة و الدم و لحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، يعني جميع بهائم الأنعام حلال إلا أن الجنزير محرم ، كل ما في الأرض جلال إلا الجمر .

وهذه المحرمات ، وما حرمه النبي صلي الله عليه وسلم كالحمار الأهلي وكل ذي نان من السباع وكل ذي مخلب من الطير .

ونجد المحرمات ، من النساء صنفا معدودا من الأقارب وأحل لكم ما وراء ذلكم .

وبالنسبة للمعاملات ، فالشركة و المضاربة و البيع و الشراء و الإجارة و المزارعة و المساقاة و أنواع المعاملات كلها مباحة ، وإنما حرم الله الربا و الميسر ، فتجد أن كل أنواع الأنشطة الإنسانية الأصل فيها الحل إلا ما حرمه الله ، فالأصل في التشريع أن الحلال أكثر من الحرام ليس إلا دائرة ضيقة .

ومع ذلك نجد في واقع حياة الناس إن الحرام ينتشر جدا ، حتي يكاد يغلب الحلال ، ولا يكاد الإنسان يجد الحلال إلا بشق الأنفس ، وهذا هو الذي وقع لبني إسرائيل فالذي حدث لهم أن الحرام الذي هو ضيق أصلا اتسع جدا ، اتسع بمعني أنهم وجدوا السمك يوم السبت فقط ، والحلال الذي هم واسع ستة أيام يباح فيها الصيد ، لا تظهر سمك علي الإطلاق.

ومثاله ما يقع الناس فيه اليوم ، فمع أن أنواع المعاملات المباحة كثيرة جدا ، والربا والميسر المحرم تجد الربا ملأ السهل والوادي وملأ كل مكان ، فلا تكاد توجد معاملة إلا و فيها شبهة الربا ، أو ربا صريح أو ميسر - و العياذ بالله - فلماذا يحدث ذلك ؟

تجد الحرام هو الذي يتسع والحلال يضيق ، حتي في بعض الأماكن في بعض الأزمنة يكاد الحرام يملأ البلد كلها ، ولا يكاد يوجد رزق حلال صاف -والعياذ بالله من ذلك -

فلماذا يضيق الله علي الناس ما أحل لهم ويوسع عليهم ما حرم عليهم؟ يذكر الله عز وجل الحكمة في ذلك ويبينها فيقول : كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون "فهذا اختبار من الله عز وجل فالفسق يعني الخروج عن طاعة الله عز وجل ،هو الذي يؤدي إلي أن يحدث ذلك ، فيضيق الحلال علينا و يتسع الحرام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فالإنسان لا بد أن يفهم أن هناك علاقة وطيدة بين الطاعة والمعصية من جانب ، وبين الرزق والكسب من جانب أخر ،فالرزق إذا كان واسعا وفتنة للإنسان ومن حرام ، فهذا يريد الله به الهلاك ، (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون و أملي لهم إن كيدي متين ).

فمن وسع الله عز وجل عليه في رزق محرم وسهل له طريق الحرام، فهو يمتحن حتى ينظر ما يفعل ، فإن استمر علي الحرام الذي يكتسبه زاده الله سعة ثم أهلكه عز وجل _قال تعالي :"فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شي حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ."

بل المؤمن ينظر إلي ما هو أعمق من ذلك ، فهو يري أن هناك ارتباط بين طبيعة العمل وكثرة الشغل ؛ وبين الرزق الذي يصيبه الإنسان فكما قال النبي صلي الله عليه وسلم :"قال الله عز وجل " يا ابن أدم ، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غني وأملأ يدك رزقا ، يا ابن أدم لا تباعد مني ، أملأ يديك شغلآ"

فالعبد المؤمن ينظر إلي العلاقة بين الرزق و بين العمل الذي يعمله ، فالعمل الصالح ييسر للإنسان رزقا حلالا طيبا ،من غير أن يشغل حياته ووقته ،بل يجد بعد ذلك وقتا متسعا كي يعبد الله عز وجل و يتعلم العلم ، ويقرأ أقرأن ، ويجد أنواع الطاعات المختلفة .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٨٨