فالعلاقة بين الذنب والعقوبة ثابتة، وهناك من يثبت العقوبات الدينية، لكن يتساءل عن الدنيوية: ما علاقتها بالذنوب، ونحن نراها تقع على المؤمن والكافر.. البر والفاجر.. حتى على الأرض المباركة ؟!.
فهذا عنده شبهة، جلاؤها أن يقال: نعم، إن المصائب والعقوبات شاملة. فمن تأمل ما سبق: أدرك هذا. فقد تقرر: أن سبب العقوبات هو الذنب. وهو ليس حصرا على الكافر، كلا؛ لأن ذنب الكافر: شرك، وكفر، وكبائر، وصغائر، بينما المؤمن فذنبه كبائر، وصغائر، ليس فيها فوق ذلك، وليس من شرط العقوبة أن يكون الذنب كفرا، بل بالكبائر كذلك:
- قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله..﴾.
- عن ابن عباس قال :" ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، و لا فشت الفاحشة في قوم إلا أخذهم الله بالموت، و ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، و ما منع قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء، وما جار قوم في حكم إلا كان البأس بينهم - أظنه قال - و القتل ". رواه البيهقي، قال الألباني: "و إسناده صحيح و هو موقوف في حكم المرفوع ، لأنه لا يقال من قبل الرأي". السلسلة الصحيحة 107
- وقد هزم المسلمون في أحد لما خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعصيان وعدم الثبات على مواقعهم في الجبل، فقال تعالى: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من أنفسكم﴾.
- وفي حنين هزموا، لما تعاجبوا واغتروا بكثرتهم، وقالوا: "لن نغلب اليوم من قلة". والعجب والغرور من الذنوب، قال تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾.
فهذا عقوبات عامة دنيوية: أمراض، وجدب، وحرب الله ورسوله. وكذلك الهزيمة، والزلازل، والبراكين، والفيضانات، والأعاصير، والحروب، والدمار، والتشريد، وتغير مناخ الأرض، وفساد الطعام والشراب، وضيق الزرق وانتشار العوز والفقر. كلها كانت بسبب ذنوب هي كبائر، ليس بينها كفر، والكفر أكبر، والعقوبة عليه أعظم: تقع على المؤمنين كما تقع الكافرين أيضا، إذا استوجبوا ذلك، شاملة لجميع الناس، بغير فرق بين الديانات، وربما كانت على المسلمين أشد:
- إذ عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، ومن عنده علم فقد قامت عليه الحجة.
- ولأن الله تعالى جعل الدنيا للكافرين يقلبهم فيها في نعيم، والآخرة للمؤمنين.
فإذا ثبت الذنب على المسلم، كان معرضا للعقوبات بأنواعها كالكافر، إلا أن الكافر عقوبته أغلظ:
- فالمسلم إذا سرق، أو زنى، أو شرب الخمر، أو قتل، أو قذف يقام عليه الحد كالكافر.
- وإذا مات وعليه كبيرة، كانت تحت المشيئة، فقد يعذب بالنار، إلا أنه أخف ولا يخلد.
* * *
قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما - أو ريحا - عرف ذلك في وجهه. قالت: يا رسول الله!، الناس إذا رأوا غيما فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟، فقال: يا عائشة!، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا). رواه أحمد
فإعصار كالإعصار المسمى بـ"جونو"، الذي ضرب سواحل عمان والأمارات وإيران، هو من العقوبات، والقحط والجدب العام، مع ضيق في الزرق وفي النفس، وظهور أمراض جديدة.. كل هذه سببها موجود في المسلمين، من المجاهرة بالعصيان. وفي أحوال كهذه، فإن العقوبات العامة ستأخذ الجميع، وتعم المفسد والمصلح، المرتكب للذنب وغير المرتكب، ما داموا جميعا في مكان واحد، قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.