تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( 7 ) في الفترة الماضية وبسبب ظروف سياسية وثقافية وغيرها ، سيطرت على المثقف المسلم تصورات مبنية على الأوهام عن نظام الفائدة الربوي ، ولكن التاريخ لا يقف والحياة تمضي قدما ، والأوهام أعجز من أن تثبت في مواجهة الوعي ، فهيأ الله روادا عنوا باكتشاف الحقائق وتقديمها وتقدمت كوكبة من صالحي المسلمين الذين درسوا الاقتصاد الرأسمالي في بلاد الغرب ، واكتشفوا أسراره ، وتحرروا من رهبة المجهول ، ثم انصرفوا لموروثهم الثقافي ، فاكتشفوا إمكانيات عظيمة كفيلة بأن يبني عليها العالم الإسلامي اقتصادا ناميا سليما إذا توفرت لديه القدرة والجرأة على الانتفاع بإمكانياته المتاحة المادية والمعنوية . ثم قامت المؤسسات المالية التطبيقية - وكان من المنتظر أن تواجه بالعقبات والتجارب الفاشلة - التي تواجه عادة من يشق أرضا مجهولة جديدة ، ولكن الله الذي وعد من يتقيه بأن يجعل له من أمره يسرا ، ووعد من ينصره بالنصر ، هيأ

لها النجاح بقدر ما وفقت له من إخلاص النية والقوة في الأخذ بالأسباب المادية ، ولعل من الملفت للنظر أن التقارير الإحصائية أثبتت بالأرقام أن أكثر هذه المؤسسات تحفظا ودقة في ممارسة الأساليب الإسلامية كانت أعظمها توفيقا ونجاحا .

( 8 ) أثبتت التجارب الواقعية والكتابات والإحصاءات الحديثة أن نظام الفائدة الربوي ليس حجر الفلاسفة الذي يحول الرصاص إلى ذهب ، وإن هذا النظام ليس فقط عاجزا عن توفير الشروط لوجود اقتصاد نام مستقر سليم بل إن هذا النظام في كثير من الأوقات دمر شروط ودعائم الاقتصاد ونموه واستقراره .

( 9 ) إن الفكرة التي اخترعها قبل أكثر من 35 سنة دولة الدكتور معروف الدواليبي بدافع ظروف معينة ، والتي تفترض إمكانية التفريق بين الفائدة في قروض الاستهلاك والفائدة عن قروض الإنتاج أو الاستثمار ، باعتبار أن الأولى تقتضي استغلال المقرض للمقترض بخلاف الثانية ، هذه الفكرة بالرغم من ظهور بطلانها لمعارضتها للنصوص القاطعة والإجماع الذي لم يفرق بين ربا وربا ، فقد كشف رجال القانون منذ ظهور الفكرة أنها لا تستند إلى حقائق وإنما إلى أوهام ، فمن وجه واضح أن التفريق بين قروض الاستهلاك وقروض الاستثمار من الناحية العملية مبني على معيار النية الباطنة ، وهذا المعيار يصلح للتفريق في القضايا الأخلاقية ولكنه لا يصلح للتفريق في قضايا المعاملات ، إلا إذا اتخذت النية مظهرا خارجيا يمكن الحكم عليه ، ومن وجه ثان فإن الاستغلال لا يكون ملازما دائما لقروض الاستهلاك وانتفاؤه لا يكون لازما دائما لقروض الإنتاج ، فمثلا يمكن أن يقترض أحد المترفين تمويل شراء يخت للنزهة ، ويمكن أن يقترض مهني فقير لإنشاء ورشة صغيرة يعتاش منها - فكما نرى - القرض الأول قرض استهلاك والقرض الثاني قرض إنتاج فهل يمكن عقلا القول بأن المقرض في القرض الأول مراب استغل حاجة المقترض ، وأن المقرض الثاني ممول شريف لم يستغل حاجة المقترض .

الخاتمة

إن هدف الورقة أن تحمل المثقف السعودي على مواجهة الذات وإثارة الأسئلة والتماس أجوبتها المبنية على الحقائق الموضوعية ونتائج المحاكمة المنطقية ، وأن يتحرر من العبودية للأفكار السائدة والتصورات الشائعة المبنية على الوهم والخيار والتي كل سندها وسر قوتها إلفها وغلبة انتشارها على الجمهورية ، قد يعذر المثقف السعودي في عجزه عن استشراف المستقبل ، ولكنه ليس معذورا عن أن يتعامى عن حقائق الحاضر وأن يصر على التشبث بأوهام الماضي .

إن سمة هذا العصر الواضحة هي تسارع التغيير والتطور فلا مجال لمواكبة الحياة لمن يستنيم لأغلال الاتجاهات الدجماتية في أمر لا مجال للدجماتية فيه .

إن التقدم لا يتم بنقل مظاهره من البلاد المتقدمة ، وإنما بالسيطرة على منهج التفكير وطريقته في البلاد المتقدمة ، وبإدراك هذه البديهة : إن المقياس الدقيق للتقدم هو مدى القدرة على الانتفاع بالإمكانيات المتاحة سواء كانت مادية أم معنوية ، بل سواء كانت إيجابية أو سلبية ، إذ من مظاهر التخلف الغربية أن بعض مشكلات التخلف يمكن حلها بأن يتوقف البلد المتخلف عن خلق المشكلة ، وتثبيتها على التخلف يعجزها لا عن الانتفاع بإمكانية العمل بل عن الانتفاع بإمكانية عدم العمل .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٦٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٦٩٢