د - بالنسبة لتأثير الفائدة على النمو الاقتصادي ، نشير إلى أن الفاعلية الاقتصادية تعاق كثيرا بوجود حالة الشك الذي يصعب معه التوقع للمستقبل ، فلا يملك معه المستثمرون القدرة ولا الجرأة على التخطيط لاستثمارات طويلة الأجل ، وإن الاعتماد في التمويل على القروض الربوية من شأنه أن يوجد مناخا للشك إذ يزداد الخطر الذي يواجه المستثمر ( المنظم ) لأن نصب عينه دائما أن الفائدة الربوية لا بد من دفعها بصرف النظر عن ربحية المشروع ، وتزيد حدة الشك إذا تقلبت معدلات الفائدة تقلبا طائشا ولا سيما إذا تضمن عقد
التمويل معدلا عائما للفائدة كما هو المتبع بصفة عامة في الوقت الحاضر . وبصعوبة القيام باستثمارات طويلة الأجل فإن الاستثمار في النهاية يعاني من هبوط الإنتاجية ، وانخفاض معدل النمو ، ومن المعروف أنه عندما ارتفعت معدلات الفائدة في السبعينات هبطت نسبة إجمالي الاستثمار الثابت المحلي إلى إجمالي الناتج الوطني في البلدان الغربية ، كما انخفض النمو الدولي انخفاضا كبيرا في كل مكان عما كان عليه في العقود التي أعقبت الحرب العالمية مباشرة ، ومن المعترف به أن الأداء الاستثماري الأفضل هو مفتاح النمو الأسرع ، ومع الأسف فإن خفض معدل الفائدة ليس علاجا ناجحا لهذه الحالة لأن ذلك لا يزيل حالة الشك في المستقبل ، لا سيما إذا أخذ في الاعتبار العجز المرتفع المتكرر في موازنات بعض الدول الصناعية الرئيسية .
إن ما تقدم يمكن أن يعتبر اختصارا مخلا لما ورد في الكتاب ، ولكن لعله يكون كافيا لإقناع القارئ بهذه الفرضية : إننا ننساق مع الوهم إلى حد كبير حينما نظن أن تبني الاقتصاد الرأسمالي نظام ( الفائدة الربوية ) هو سبب ازدهار هذا الاقتصاد وقوته ، بل الصحيح القول : إن لازدهار الاقتصاد الرأسمالي أسبابا متعددة ساهمت في هذا الازدهار بالرغم من ( نظام الفائدة الربوية ) .
والحقيقة الواضحة أنه إذا كان لنظام الفائدة في كثير من الأحوال تأثير سلبي على الاقتصاد - كما شرح - وذلك في البلدان التي تتقبل اتجاهاتها الأخلاقية هذا النظام ، فما ظنك بأثر هذا النظام على الاقتصاد في بلاد استقر في ضمائرها واتجاهها الخلقي كراهيته إلى درجة أن تعتقد أنها بقبوله تأذن بالحرب على الله ، وتعتقد أن نتيجته على سلوكها الاقتصادي المحق والدمار .
وهذه الحقيقة توجب الإشارة إلى حقيقة أخرى هي :
أنه لا بد لنجاح نظام اقتصادي في بلد ما أن يتناسق ويتناغم مع النظام الخلقي والقيم الثقافية التي تسود في ذلك البلد ، ومن المستحيل أن يزدهر نظام اقتصادي أو أساليب اقتصادية في بلد مع معارضة ذلك النظام أو تلك الأساليب
للقيم الخلقية والمعتقدات السائدة ، إن الشرط الأساسي لازدهار الاقتصاد في بلد ما أن يحور لينسجم مع نظام البلد الأخلاقي ، أو أن يحور النظام الأخلاقي لينسجم مع الاقتصاد وبدون ذلك يكون الاقتصاد كشجرة مغروسة في تربة ومناخ غير ملائمين لها .
إن الأفكار النظرية وحدها لم تكن لتقوى على تحرير الفكر ، وزعزعة التصور الذي ساد قبل ثلاثين عاما في أذهان المثقفين المسلمين عن نظام الفائدة الربوية ، لو لم توجد إمكانية لوضع تلك الأفكار النظرية موضع التطبيق ، ولو لم تتح فرصة اختبارها في ظروف الواقع واجتيازها لهذا الاختيار بنجاح . وقد أمكن في خلال السنوات القليلة الماضية وجود حوالي خمسين مؤسسة مصرفية تستخدم الأساليب الإسلامية ، وتحرر معاملاتها من الفائدة الربوية ، وقد حاز بعضها نجاحا كبيرا بمختلف المعايير ، صحيح أن عددا قليلا منها لم يوفق تمام التوفيق بسبب سوء الإدارة ، لنقص الإخلاص أو نقص الكفاءة ، أو بسبب ظروف خارجية . ولكن نجاح مؤسسة من هذه المؤسسات دليل كاف على كفاءة الأساليب المالية التي طبقتها ، إذ لو تخلفت كفاءتها لاستحال نجاح المؤسسة ، وعلى العكس من ذلك فإن فشل بعض هذه المؤسسات لا يدل على عدم كفاءة الأساليب الإسلامية ؛ لأن الفشل له أسباب كثيرة أخرى كما أشرنا ، ويجب أن نتذكر أنه في تجربة المملكة مع المؤسسات المصرفية التي اعتمدت نظام الفائدة الربوي تكررت الإخفاقات ، ولا حاجة للتذكير بأبرزها - وهو انهيار البنك الوطني - لأنه كابوس لا ينسى .