إذا كان الأستاذ السنهوري معذورا من جهة أنه حرر نظريته والواقع المعاش في ذلك الوقت أنه لا يوجد تطبيق مصرفي عملي إلا محكوما بأحد النظامين ؛ النظام اللاربوي الشيوعي والنظام الربوي الرأسمالي ؛ فإن الوضع الآن قد تغير ووجدت تطبيقات عملية وتجارب معاشة لنظام مصرفي ليس ربويا ولا شيوعيا هذا من ناحية ، أما من الناحية الأخرى فإن الحاجة حينما تعتبر مثل هذا الاعتبار في بعض الأحكام إنما يقصد بها الحاجة التي تفرض على الإنسان من الخارج ولا يستطيع دفعها ، أما أن يكون في إمكان الإنسان دفع الحاجة ، ثم لا ينشط لذلك فلا يجوز اعتبارها في هذه الحال وواضح بعد تغير الظروف ونجاح التطبيقات للنظام المصرفي غير الربوي أن في إمكان أي دولة إسلامية أن تحول نظامها المحلي - على الأقل - إلى نظام لا ربوي لو أرادت ذلك . وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله .
ومن حيث بناء النظرية على التمييز بين صورة من صور الربا الجاهلية بالقول بأنها مقصودة في القرآن ، والمحرمة تحريم مقاصد وربا النسيئة - ومنه ربا القرض - بالقول بأنه ليس من الربا المقصود في القرآن ، ومحرم تحريم وسائل فهو خطأ واضح كالشمس ، ووهم زل به عالم جليل نقصد به الشيخ رشيد رضا ( وندعو الله أن يعفو عنه في جانب حسناته الجليلة والله أعلم بها ) ولكن لا يجوز تقليده في زلته ، ولو لم ترد النصوص موضحة أن ربا الجاهلية لا يقتصر على تلك الصورة لوجب أن نستيقن ذلك من طبائع الأمور وحكم العقل .
كانت مكة واديا غير ذي زرع فلم يكن اقتصاد قريش قائما على الزراعة ، وإنما كان قائما على التجارة وكانت لهم رحلتا الشتاء والصيف ، وكان منهم أصحاب الأموال ( الممولون ) وأصحاب العمل ( المحتاجون للتمويل ) وكان من الطبيعي أن يكون القرض الأداة الرئيسية للتمويل ، ولا يعقل أن الممولين من قريش لم يعرفوا إلا القرض الحسن الذي لا يكون فيه ربا .
وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ربا الجاهلية تحت قدميه الشريفتين لم يفهم أحد أبدا أنه وضع فقط صورة ( إما أن تقضي أو تربي ) وترك ربا القرض قائما غير موضوع . وحين وضع ربا العباس ، لم يكن الموضوع فقط ما كان على صورة " إما أن تقضي أو تربي " والنصوص تشهد لهذا .
فقد روى الطبري عن السدي في تفسير قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾ (1) قال : نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف . . الحديث ج 6 ص 33 . كما روى عن السدي في تفسيره قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ (2) قال : الذي أسلفتم وأسقط الربا . ج 1 ص 27 . والسلف في اللغة هو القرض .
والعلماء عندما ذكروا صورة " إما أن تقضي وإما أن تربي " على أنها ربا
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279