وفي نظام اقتصادي رأسمالي كالنظام القائم في الوقت الحاضر في كثير من البلاد . . تدعو الحاجة العامة الشاملة إلى حصول العامل على رأس المال حتى يستغله بعمله وقد أصبحت شركات المضاربة وغيرها غير كافية للحصول على رأس المال اللازم . . القروض هي الوسيلة الأولى وكذلك السندات ، والمقترض هنا هو الجانب القوي والمقرض هو الجانب الضعيف . . . فما دامت الحاجة قائمة للحصول على رؤوس الأموال من طريق القرض . . فإن فائدة رأس المال في الحدود المذكورة ونقصد بذلك ( أولا ) : أنه لا يجوز بحال مهما كانت الحاجة قائمة أن تتقاضى فوائد على متجمد الفوائد ، فهذا هو ربا الجاهلية الممقوت . ( ثانيا ) : وحتى بالنسبة للفائدة البسيطة يجب أن يرسم لها واضع القانون حدودا لا تتعداها من حيث سعرها ، ومن حيث طريقة تقاضيها ، ومن وجوه أخرى وذلك حتى نقدر الحاجة بقدرها .
وحتى بعد كل هذا فإن الحاجة إلى الفائدة لا تقوم كما قدمنا إلا في
نظام رأسمالي كالنظام القائم فإذا تغير هذا النظام ، ويبدو أنه في سبيله إلى التغيير . . . عند ذلك يعاد النظر في تقدير الحاجة فقد لا تقوم الحاجة فيعود الربا إلى أصله من التحريم . انتهى .
بعد استعراض هذه النظريات لن أناقشها من ناحية الفقه الشرعي ، وإنما أترك لرجل من أعظم رجال القانون في العالم العربي ، وهو الأستاذ السنهوري أن ينقض النظريتين الأوليين على أساس المنطق القانوني ، وقبل ذلك ألفت النظر إلى الاختلاف الكامل بل إلى التعارض بين النظريات الثلاث في الأساس الذي بنت عليه الأمر الذي لا يسمح بالجمع بينها كما فعل الباحث .
عن النظرية الأولى نظرية الدكتور معروف الدواليبي يقول الأستاذ السنهوري في المرجع السابق المشار إليه : " يؤخذ على هذا الرأي أمران :
(1) يصعب كثيرا من الناحية العملية التمييز بين قروض الإنتاج وقروض الاستهلاك حتى تباح الفائدة المعقولة في الأولى وتحرم إطلاقا في الثانية ، قد يكون واضحا في بعض الحالات أن القروض قروض إنتاج كالقروض التي تعقدها الحكومات والشركات لكن . . . من القروض صورا أكثرها وقوعا وهي القروض التي يعقدها الأفراد مع المصارف ، فهل هي قروض إنتاج تباح فيها الفائدة المعقولة أو هي قروض استهلاك لا تجوز فيها الفائدة أصلا ؟ وهل نستطيع هذا التمييز في كل حالة على حدة فنبيح هنا ونحرم هناك ؟ ظاهر أن هذا التمييز متعذر ولا بد إذن من أحد الأمرين إما أن تباح الفائدة المعقولة في جميع القروض أو تحرم في جميعها .
(2) إذا فرضنا جدلا أنه يمكن تمييز قروض الإنتاج فإن تخريج جواز الفائدة المعقولة في هذه القروض على فكرة الضرورة لا يستقيم ؛ فالضرورة بالمعنى الشرعي ليست قائمة ، وإنما هي الحاجة لا الضرورة ، وينبغي التمييز بين الأمرين .
وعن نظرية الشيخ محمد رشيد رضا يقول السنهوري في المرجع ذاته :
غني عن البيان أن القول بأن ربا النسيئة وربا الفضل إنما نهي عنهما في
الحديث الشريف نهي كراهة لا نهي تحريم لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب الفقهية ، وقد اعترض الأستاذ زكي الدين بدوي بحق على هذا الرأي في مقاله المنشور في مجلة القانون والاقتصاد حيث قال : " إنه يتعذر التسليم بقوله بعدم دخول الأصناف الستة في الربا المحرم ؛ لأن بيع هذه الأصناف وإن كانت وسائل وذرائع إلى الربا إلا أنها وسائل وذرائع منصوصة ، ودلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الأفهام ، أما قوله أن النهي عن بيع هذه الأصناف كان تورعا ؛ لإفادة أن بيعها خلاف الأولى أو للكراهة فقط لا للتحريم ، فدعوى تتعارض مع ظواهر النصوص والمأثور عن الصحابة " ، ويبدو أنه يجب الذهاب إلى مدى أبعد مما ذهب إليه الأستاذ زكي الدين ، والقول بأن ربا النسيئة وربا الفضل لا يقتصران على الأصناف الستة المذكورة في الحديث الشريف بل يجاوزانها إلى ما عداهما إليه المذاهب الفقهية من الأصناف الأخرى ، وهذا هو الذي انعقد عليه الإجماع ، وإن كل ذلك ربا محرم لا مكروه فحسب ، وننتهي الآن إلى مناقشة نظرية أستاذنا السنهوري فنقول :