رابعا : في هذه الفقرة أضاف بعدا جديدا هو الشعور بالأمان والاطمئنان في المعاملة المصرفية لكل من الدائن والمدين ، لكن ذلك مفتقر في الربا الذي حذر منه القرآن الكريم ؛ حيث لا ضمان لأموال المرابين لدى العاجزين عن الوفاء .
سبحان الله !! وهل يتباكى الكاتب على أحوال المرابين وسوء أوضاعهم ، وكأنه يطالب لهم بأمان أكبر . وهل نسي الضمانات المأخوذة هنا وهناك ؟ وهل أمان المصرف على أمواله ميزة تميزه عن المرابي القديم ومن ثم تجعل عمله حلالا ؟ ثم ما هذا الخلط ؟ الكاتب تكاد تقوم ورقته كلها على موضوع " الإيداع " وحديثه هنا لا يتصور انصرافه إلا إلى إقراض البنك للعملاء ، فأين الأمان الذي تتحدث عنه للبنك ؟ أم أنه يتحدث عن ضمان وحماية مال صغار المالكين " الدائنين للبنك " بينما لم يكن ذلك موجودا في الدائن المرابي في الماضي ؟ ما هذا ؟
خامسا : في هذه الفقرة يكرر ما سبق قوله في أن الزيادة في الأعمال المصرفية إنما تشترط في أصل عقد الدين لأغراض تجارية من مدينين أغنياء من رجال الأعمال ، وليست طارئة عند حلول الأجل مع المدين المحتاج للصدقة ، وذلك ما يجعلها في الأصل ذات صفة تجارية في المعاملات المصرفية أي في مقابل منافع متبادلة ، وهذه الزيادة تختلف تماما عن الزيادة التي أشار إليها القرآن الكريم ، والتي اعتبرها محرمة لأنها لا تشترط إلا على رجل محتاج للصدقة . ومبدأ حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء ، هذه عبارة كررت كثيرا ورددنا عليها في أكثر من مكان ، ومضمونها في النهاية خاطئ ولا يعتبر تمييزا بين الربا المحرم وبين تلك الأعمال من قريب أو بعيد .
سادسا : ذكر الكاتب في هذه الفقرة عبارة غريبة عجيبة ننقلها بنصها
لتكون شاهدا حاضرا أمام عين القارئ . يقول الأخ الكاتب : " الفائدة جزء من ربح المضاربة ، فنحن نعرف أن البنك يقدم قرضين ، قرض استهلاكي وقرض إنتاجي . وقرض الإنتاج ما هو إلا أخذ مبلغ من المال من البنك للاستثمار والنماء عن طريق النشاط التجاري أو الصناعي أو كليهما معا ، ويلتقي هذا التصرف مع نظير له في المعاملات الإسلامية أقره الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعرف باسم المضاربة أو القرض ، وقوامه المال من شخص والعمل لاستثمار هذا المال من شخص آخر بجزء مسمى على جهة الشيوع من الربح ، وبناء عليه فالفائدة التي تؤخذ على القرض الإنتاجي يمكن احتسابها جزءا من ربح المضاربة المشروعة " ثم أخذ في تعريف المضاربة وبيان حكمها ورأي بعض العلماء المناصرين فيها .
نلاحظ أن حديث الكاتب ينصرف أساسا بل كلية إلى مديونية البنك وليس إلى دائنيه ، لكنه هنا يتحدث عن دائنية البنك وهذا خلط واضح ، ويدعى أن الفائدة جزء من ربح المضاربة . أية مضاربة ؟ وأية فائدة ؟ لا نجد إجابة . ثم يقول الأخ الكاتب بجرأة غريبة إن ما يقدمه البنك من قروض إنتاجية نظير ما هو معروف بالمضاربة ، ويخلص من ذلك إلى إمكانية احتساب الفائدة على القرض الإنتاجي جزءا من ربح المضاربة المشروعة . إذن من المؤكد أنه الآن بصدد الحديث عن الفائدة الدائنة التي هي للبنك على ما يقدمه من قروض .
يضاف إلى ذلك أن الكاتب يصرح بإباحتها على أساس أنها نظير شيء جائز ومعروف في الإسلام . ومن يمعن النظر في كلام الكاتب يجده يناقض بعضه بعضا ، فطوال ما مضى من حديث له كان يبنيه على أساس أن المعاملة المصرفية مغايرة للربا ؛ حيث المدين فيها وهو البنك أغنى بكثير من الدائنين عكس ما هو كائن في الربا . لكن ما نراه الآن يقلب الكلام
رأسا على عقب فها هو المصرف أصبح دائنا والمقترضون أقل غنى منه بكثير طبقا لكلام الكاتب ، أي أنه في تلك الحالة ينطبق عليه تماما ما يتصوره الكاتب في ربا الجاهلية فكيف جوز تلك المعاملة ؟ ونلاحظ أيضا أنه يعترف صراحة هنا بكونها عملية قرض ، والمتفق عليه أن أي زيادة مشترطة في القرض ربا . ثم إنه يمتلك من الجرأة ما تجعله يقول إن القرض نظير المضاربة وما دامت جائزة فيجوز نظيرها . من الذي قال إن القرض نظير المضاربة ؟ وفي تناوله للمضاربة بحيث يؤكد على هذا التشابه والتناظر ، كما يقول ذكر آراء بعض المعاصرين الذين يرى الكاتب رأيهم . ونلاحظ أن من تكلم في المضاربة من المعاصرين من أمثال الشيخ خلاف رحمه الله إنما ناقش مسألة اشتراط كون الربح نسبة وليس مبلغا محددا ، وذهب إلى أن هذا الشرط لا يجب التقيد به لأنه من كلام الفقهاء وليس من القرآن ولا من السنة . ونحن هنا لا نناقش الشيخ خلاف فيما ذهب إليه لسبب بسيط هو أن مجال حديثه غير مجالنا ، فنحن نتكلم عن معاملة مصرفية اعترف الكاتب بأنها قرض وهو يتكلم عن المضاربة وشتان بين هذا وذاك . وهب أن كلام الشيخ خلاف له وجه - مع عدم التسليم به - فإن ذلك لا يخدم وجهة نظر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد ، وذلك لأن القرض عقد ينقل الملكية نقلا كاملا للمقترض بتسلمه للقرض فيصبح القرض ملكا ومالا للمقترض يتصرف فيه كيف يشاء وهو ملتزم برد مثله للمقرض مهما كانت الظروف (1) .