8 - التدرج في تحريم الربا :
لقد سلك القرآن الكريم أسلوب الرفق والتدرج ، في نقل
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 227)
المخاطبين من حياة الجاهلية البغيضة ، إلى سماحة الإسلام ويسره ، وتجلى ذلك في شرائع الإسلام ، وأحكامه العملية ، على خلاف الحال في تغيير العقيدة الفاسدة ، وترسيخ عقيدة الإسلام .
وسبب هذا التدرج في تحريم بعض الأحكام الفرعية ، هو رسوخ وتعلق المخاطبين بهذه العادات والأفعال ، حتى أنه كان من الصعب عليهم الامتثال للإقلاع عنها دفعة واحدة ، في مرة واحدة .
ورضي الله عن عائشة أم المؤمنين وهي القائلة : " إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ، نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا . ولو نزل لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنا أبدا ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن ، باب تأليف القرآن ، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 9 / 38 برقم 4993 . .
ونجد هذا التدرج في تحريم الربا في أربع آيات قرآنية ، تتعلق بتحريم الربا ، واحدة منها نزلت بمكة ، وثلاث في المدينة .
الآية الأولى : قوله تعالى : سورة الروم الآية 39 وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ .
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 228)
الآية الثانية : قوله تعالى : سورة النساء الآية 160 فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا سورة النساء الآية 161 وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ .
وجاءت هذه الآية لتوجه الأنظار ، تهيء النفوس ، لتقبل فكرة التحريم .
الآية الثالثة : قوله تعالى : سورة آل عمران الآية 130 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
وجاءت هذه الآية لتفيد تحريم الربا في الأضعاف المضاعفة ، وهي إحدى حالات الربا .
الآية الرابعة : قوله تعالى : سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ الآيات .
فهذه الآية صريحة في تحريم جميع أنواع الربا ، لا فرق بين القليل والكثير في ذلك .
9 - في قوله تعالى : سورة البقرة الآية 280 وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ
نسخ لما كان عليه العمل في الجاهلية ، وصدر الإسلام ، من أن الحر يباع بالدين ، إن عجز عن سداده ، ويبين ذلك ما أخرجه الدارقطني عن زيد بن أسلم قال : رأيت شيخا بالإسكندرية ، يقال
(الجزء رقم : 66، الصفحة رقم: 229)
له : ( سرق ) ، فقلت : ما هذا الاسم ؛ فقال : سمانيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولن أدعه ، قلت : لم سماك ؟ ، قال قدمت المدينة فأخبرتهم أن مالي يقدم ، فبايعوني فاستهلكت أموالهم ، فأتوا بي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي : أنت سرق ، وباعني بأربعة أبعرة ، فقال الغرماء للذي اشتراني : ما تصنع به ، قال : أعتقه ، فلسنا بأزهد منك في الأجر ، فأعتقوني بينهم ، وبقي اسمي .
وأخرج البزار مثل ذلك ، ولكن هذه الروايات لا يحتج بها .
وروي عن ابن عباس أن الإمهال إنما هو في الربا خاصة .
أما في سائر الديون فإنه يدفع أو يحبس حتى يوفي ، وهذا في حالة عدم وجود الفقر المدقع ، أما إذا كان له مال ، فإنه يحجر على ماله أو عقاره في الدين .