(الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 206)
البائع عين ماله ، واستدل لتحريم بيع العينة بالحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سنن أبو داود البيوع (3462),مسند أحمد بن حنبل (2/84). إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم .
ففي هذا الحديث دليل على تحريم هذا البيع ، وذهب إليه مالك وأحمد وبعض الشافعية قالوا : لما فيه من تفويت مقصد الشارع من المنع عن الربا وسد الذرائع ، قال القرطبي : لأن بعض صور هذا البيع تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا ويكون الثمن لغوا سبل السلام , ج3 , ص 55 . . ا هـ . نعود إلى الحديث آنف الذكر سنن أبو داود البيوع (3462),مسند أحمد بن حنبل (2/84). إذا تبايعتم بالعينة الحديث . لنكشف عن صحته وهل عليه مأخذ من حيث سنده يهبط به عن درجة الصحة .
يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله في كتابه (سلسلة الأحاديث الصحيحة) : " هو حديث صحيح لمجموع طرقه وقد وقفت على ثلاث منها كلها عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا ، الأولى : عن إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال : فذكره- أي الحديث - إلى أن قال- أي الشيخ الألباني - : روي ذلك من وجهين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر يشير بذلك إلى تقوية الحديث ، وقد وقفت على أحد الوجهين المشار إليهما وهو الطريق الثانية : عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر أخرجه أحمد ، الثالثة : عن شهر بن حوشب عن ابن عمر رواه أحمد .
ثم وجدنا له شاهدا من رواية بشير بن زياد الخراساني حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكره- أي الحديث ، أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من (الكامل) وهو غير معروف ، في حديثه بعض النكارة ، وقال الذهبي ولم يترك سلسلة الأحاديث الصحيحة , ج1 , ص15ـ 16 . . وجاء في (معالم السنن) توجيه الخطابي لوجهة نظر المحرمين للعينة ، قال المحرمون للعينة : الدليل على تحريمها من وجوه , أحدها : أن الله تعالى حرم الربا والعينة وسيلة إليه بل هي من أقرب وسائله ، والوسيلة إلى الحرام حرام ، فهنا مقامان أحدهما : بيان كونها وسيلة ، والثاني : بيان الوسيلة إلى الحرام حرام ، فأما الأول فيشهد له النقل والعرف والنية
(الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 207)
والقصد وحال المتعاقدين ثم أورد جملة أحاديث تصور البيع بالعينة إلى أن قال : وأما شهادة العرف بذلك فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير بل قد علم الله وعباده من المتبايعين قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها , ولا غرض لهما فيها بحال وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول ، مائة بمائة وعشرين وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث ، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه بل جيء به لمعنى في غيره ، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد لأنهم لا غرض لهم فيها ، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا . وأما النية والقصد فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محلالا لما حرم الله ورسوله .
وأما المقام الثاني وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام ، فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول ، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة كما تقدم ، وقال أيوب السختياني : يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل . والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين سواء كانت لغوية أو شرعية والخداع حرام , وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو أكبر من الكبائر فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا . وإنما قصده حقيقة الربا .