(الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 197)
عن ابن جرير بالسند إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب وقرأ سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا الآية وذلك حين يقوم من قبره تفسير ابن كثير , ج2 ص 54-55 . , وجاء في "فتح القدير" عند تفسير قوله تعالى : سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا قوله : اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله بل هو عام لكل من يعامل بالربا فيأخذه ويعطيه وإنما خص الأكل لزيادة التشنيع على فاعله ولكونه هو الغرض الأهم فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل ، وقوله : سورة البقرة الآية 275 لَا يَقُومُونَ أي يوم القيامة كما يدل عليه قراءة ابن مسعود وبهذا فسره جمهور المفسرين قالوا : إنه يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند أهل المحشر ، وقيل : المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيها في حركته بالمجنون كما يقال لمن يسرع في مشية ويضطرب في حركاتها : إنه قد جن , ومنه قول الأعشى :
وتصبح من غب السرى وكأنها ... ألم بها من طائف الجن أولق
فجعلها - أي ناقته - بسرعة مشيها ونشاطها كالمجنون ، وقوله : سورة البقرة الآية 275 إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ أي إلا قياما كقيام الذي يتخبطه , والخبط : الضرب بغير استواء كخبط العشواء وهو المصروع , والمس : الجنون , والأمس : المجنون , وكذلك الأولق وهو متعلق بقوله يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم سورة البقرة الآية 275 إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ أو متعلق بيقوم , وفي الآية دليل على فساد قول من قال : إن الصرع لا يكون من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع , وقال : إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان وليس بصحيح وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان .
كما أخرجه النسائي وغيره قوله ذلك إشارة إلى ما ذكر من مبالغة بجعلهم الربا أصلا والبيع فرعا , أي : إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة عند حلوله ، فإن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك فرد الله عليهم بقوله : سورة البقرة الآية 275 وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا أي أن الله أحل البيع وحرم نوعا من أنواعه وهو البيع المشتمل على الربا . والبيع
(الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 198)
مصدر باع يبيع أي دفع عوضا وأخذ معوضا ، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب ، قوله : سورة البقرة الآية 275 فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي : من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي تشتمل عليها الأوامر والنواهي ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا فانتهى أي : فامتثل النهي الذي جاءه وانزجر عن المنهي عنه ، وهو معطوف ، أي : قوله : فانتهى على قوله : جاءه وقوله : من ربه متعلق بقوله : (جاءه) أو بمحذوف وقع صفة لموعظة ، أي كائنة من من ربه فله ما سلف أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به لأنه فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا ، وقوله : سورة البقرة الآية 275 وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ قيل : الضمير عائد إلى الربا ، أي : وأمر الربا إلى الله في تحريمه على عباده واستمراره ذلك التحريم , وقيل الضمير يرجع إلى المرابي , أي : أمر من عاد بالربا إلى الله في تثبيته على الانتهاء أو الرجوع إلى المعصية ومن عاد إلى أكل الربا والمعاملة به سورة البقرة الآية 275 فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ والإشارة إلى من عاد ، وجمع أصحاب باعتبار معنى من ، وقيل إن معنى من عاد هو أن يعود إلى القول سورة البقرة الآية 275 إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وأنه يكفر بذلك فيستحق الخلود , وعلى التقدير الأول يكون الخلود مستعارا على معنى المبالغة ، كما تقول العرب : ملك خالد [أي : طويل البقاء] ، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار قوله : سورة البقرة الآية 276 يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أي يذهب بركته في الدنيا ، وإن كان كثيرا فلا يبقى بيد صاحبه . وقيل : يمحق بركته في الآخرة , قوله تعالى : سورة البقرة الآية 278 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قوله : اتقوا قوا أنفسكم من عقابه واتركوا البقايا التي بقيت لكم من الربا , وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا ، قوله تعالى : سورة البقرة الآية 278 إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قيل : هو شرط مجازي على جهة المبالغة ، وقيل : إن إن في هذه الآية بمعنى (إذ) قال ابن عطية : وهو مردود لا يعرف في اللغة ، والظاهر أن المعنى : إن كنتم مؤمنين على الحقيقة فإن ذلك يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه ، قوله : سورة البقرة الآية 279 فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يعني ما أمرتم به من الاتقاء وترك ما بقي من الربا سورة البقرة الآية 279 فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي فاعلموا بها ، من أذن بالشيء إذا علم به , وقيل هو من الأذن بالشيء وهو الاستماع لأنه من طريق العلم ، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة فأذنوا على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم ، وقد دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ولا خلاف في ذلك , وتنكير الحرب للتعظيم وزادها تعظيما نسبتها إلى اسم الله