عباد الله، لعلكم استبشعتم هذا الفعل من هذا الشاب عندما زنى بأمه أعاذني الله وإياكم، ولا شك أنه أمر بشع غاية البشاعة، ولعلكم تظنون أنني سقت هذه القصة لكم لنحذر خطر المخدرات، صحيح أنه أحد الأمور التي أردت أن أحذّر منها، ولكن ـ يا عباد الله ـ إن ما يقدِم عليه كثير من الناس اليوم من التعامل بالربا أشد من هذا بنص حديث رسول الله ، فقد أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح من طريق ابن مسعود مرفوعا قوله: ((الربا ثلاث وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه))، وأخرج أيضًا بإسناد لا بأس به من طريق أبي هريرة مرفوعا: ((الربا سبعون بابا، أدناها كالذي يقع على أمه)). فهل استشعرتم معي خطر الربا؟! إنه حرب لله ورسوله، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 278، 279]، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ومن يطيق محاربة الله؟!
ولقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الأسهم والمساهمات والمضاربة فيها والاستثمار، وذكرنا كيف إقبال الناس على ذلك من غير تورّع ولا خشية أن يقع أحدهم في الربا، بل لقد تساهل البعض في ذلك تساهلا كبيرًا، وعندما تذكر له شركة بأنها مقترضة بالربا أو مودعة بالربا لا يكتَرِث، ونسي المسكين أو تناسى هذه الأحاديث والآيات.
عباد الله، قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: 275]. وتواترت السنة الشريفة في المسألة، وبلغت حدا لا يسع أيّ مسلم ولو كان قرويّا أن يدّعي الجهل به، جاء من غير طريق أن رسول الله لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه، صح عنه : ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قيل: يا رسول اللّه، وما هن؟ قال: ((الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا)) الحديث، وأخرج البزار من طريق أبي هريرة مرفوعا: ((الكبائر سبع، أولهن الشرك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا))، وأخرج البخاري وأبو داود عن أبي جحيفة: لعن رسول الله الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله، وأخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا: ((أربعة حق على اللّه أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه))، وأخرج البزار بإسناد صحيح مرفوعا: ((الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك))، وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن سلام مرفوعا: ((الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام))، وعن عبد الله موقوفا: (الربا اثنان وسبعون حوبا، أصغرها حوبا كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من بضع وثلاثين زنية)، قال: (ويأذن اللّه بالقيام للبرّ والفاجر يوم القيامة إلا آكل الربا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)، وأخرج أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح من طريق عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة مرفوعا: ((درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)).
أبعد هذه النصوص يأتي متأوّل أو متساهل ويقول: إن الربا في الشركة الفلانية يسير لا يضر؟! وما أسكر كثيره فقليله حرام.
فالحذر الحذر ـ عباد الله ـ من الربا قليلا كان أو كثيرًا، واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك.