تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا هو التحذير العظيم لآكل الربا، فما الذي يدعو المسلم لارتكاب هذا الذنب؟! وكيف تهون عليه نفسه فيعرضها إلى حرب من الله ورسوله، حرب من رب السموات والأرض، من خضعت له المخلوقات جميعا، من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وحرب من رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين؟! هل عاقل من يعرض نفسه إلى هذا الخطر؟! وهل حكيم من يدخل هذه الحرب المعلومة النتيجة؟!

ولعل من أهم الدوافع إلى الربا قلة إيمان الإنسان بموعود الله في الرزق، فلو كان الإنسان مؤمنا حقا وموقنا بأنه لن يُحرم رزقا كتبه الله له فلن يلجأ أبدا إلى دخول باب حرم الله دخوله، ولكن الثقة في الرزق مهزوزة، والاعتماد على الرزاق ضعيف، لهذا يلجأ الإنسان إلى كل الأبواب ولا يلجأ إلى باب العزيز الوهاب الذي كتب الأرزاق لعباده وحددها، يقول سبحانه: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:22، 23]، كما أن الإنسان إذا ابتعد عن دين الله وركن إلى الدنيا وشغف بمتاعها وزينتها فإنه لا يبالي من أي مكان جلب المال وكسبه، وهذا يجعله يقع في المحظور، يقول : ((ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال أمن حلال أم من حرام)) أخرجه البخاري عن أبي هريرة. ولكن المسلم الحق والمسلم الصادق لا يمكن أن يستسهل أمرا لعن الله فاعله وأنذره وبالغ في ذمه لأن اللعنة تعني الغضب وتعني العذاب، فالمتعامل بالربا كما يخبر رسول الله معرض للعنة الله رب العالمين سواء كان مقرضا أو مقترضا وهذا ليس بالأمر الهين، أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه)). فاللعنة ليست على المقرض بالربا وحده، بل هي على الطرفين، بل إنها تشمل حتى من يكتبه ومن يشهد عليه، كل هؤلاء تلحقهم لعنة الربا والعياذ بالله.

وآكل الربا ـ إخوة الإيمان ـ يعذب على هذه المعصية عذابا شديدا، وصف رسول الله شيئا من هذا العذاب في حديث الرؤيا التي رآها، والذي أخرجه البخاري عن سمرة، يقول في هذا الحديث: ((رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قال: آكل الربا))، كما بين الله سبحانه أن آكل الربا يقوم يوم القيامة من قبره كالمجنون جزاء ما أكل من أموال محرمة، يقول سبحانه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]، قال ابن كثير: "أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا"، وقال ابن عباس: (آكل الربا يبعث مجنونا يخنق)، هذه هي فداحة، هذه المعصية العظيمة، وهذا ما تجنيه على صاحبها من عقوبات مادية ومعنوية.

قال السّرخسيّ: ذكر اللّه تعالى لآكل الرّبا خمسًا من العقوبات:

إحداها: التّخبّط، قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275].

الثّانية: المحق، قال تعالى: يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا [البقرة:276]، والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتّى لا ينتفع به ولا ولده بعده.

الثّالثة: الحرب، قال اللّه تعالى: فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِه [البقرة:279].

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥٢٣