تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-------------------------

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى أحمده تبارك وتعالى وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فلقد اعتبر الإسلام الربا من أكبر الجرائم الاجتماعية والدينية، وشن عليه حرباً لا هوادة فيها، وتوعد الله جل جلاله المتعاملين بالربا بالعذاب الأليم، ويكفي أن نعلم عظم هذه الجريمة النكراء من خلال تصوير حالة المرابين ذلك التصوير الشنيع الفظيع الذي صورهم به في القرآن الكريم، صورة الشخص الذي به مسٌّ من الجن، فهو يتخبط ويهذي كالمجنون الذي أصيب في عقله وجسمه، ولم يبلغ من تفظيع أمر من أمور الجاهلية _ أراد الإسلام إبطاله _ ما بلغ من تفظيع أمر الربا، ولا بلغ من التهديد في منكر من المنكرات كما بلغ في شأن الربا والمرابين، فالربا في الإسلام جريمة وكبيرة من الكبائر ومن السبع الموبقات التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم، والربا أساس المفاسد وأصل الشرور والآثام، وهو الوجه الكالح الطالح الذي يقابل الصدقة والبر والإحسان والزكاة والدين المأمور بها في الإسلام، ولو تدبر المسلمون ووعوا قرآنهم وقرأوا الآيات التي قبل هذه الآيات التي تحرم الربا وفي ثناياها وبعدها لو فعلوا ذلك لأدركوا سر التحريم وكذلك ما يصلح المجتمع المسلم ويجعل حياته آمنة مطمئنة قائمة على المحبة والإخاء والإيثار، بعيدة عن حب الذات والأنانية والأثرة.

إن الصدقة والدين عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة للمال والنفس، وتعاون وتكافل. والربا شح وقذارة ودنس وجشع وأثرة وأنانية، الصدقة والزكاة إعطاء المال للغير بدون عوض ولا رد من البشر، ولكن الأجر مدخر عند الله جل جلاله متى صلحت النية وكان صواباً وتقبله رب العزة والجلال، أما الربا فهو استرداد للدين ومعه زيادة حرام متقطعة من جهد المدين أو من لحمه من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لكدّه وعمله، ومن لحمه إن لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة على نفسه وأهله.

فلا عجب إذاً أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم الاجتماعية والدينية، وأن يعلن الحرب على المرابين: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]. وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه من النواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يولد في الإنسان حب الأثرة والأنانية فلا يعرف إلا نفسه ولا يعرف إلا مصلحته ونفعه وبذلك تنعدم فيه روح التضحية والإيثار ومعاني حب الخير، ويغدو المرابي وحشاً مفترساً لا يهمه من الحياة إلا جمع المال، وامتصاص دماء الناس، واستلاب ما في أيديهم.

ويولّد الربا العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع ويقضي على كل مظاهر الشفقة والبر والإحسان، ويزرع في القلب الحسد والبغضاء، ويدمر قواعد المحبة والإخاء، ويقسم الناس إلى طبقتين، طبقة مترفة: تعيش على النعيم والرفاهية والتمتع بعرق جبين الآخرين. وطبقة معدمة: تعيش على الفاقة والحاجة والبؤس والحرمان وبذلك ينشأ الصراع بين الطبقتين.

إن المعاملات الربوية لها صور متعددة, وهي تتفاوت في الإثم فأدناها مساعدة المرابي بوضع المال عنده ليحفظه، وأعلاها ما يسمى بالفوائد وهو عين الربا، وما نذكره هنا هو صورة من صور متعددة.

إن بعض المسلمين إذا لم يذكر له الحكم صريحاً في الربا لا يفهمه تلويحاً وتعريضاً، فتكثر الأسئلة عن حكم أخذ ما يسمى بالفوائد من المصارف أو ما يسمى بالبنوك؟ وعن وضع المال عندهم أمانة؟ وعن عمل الموظف لديهم؟

لذا فإن تسمية الربا بالفوائد هو من باب التدليس والتلبيس على الناس، فذلك هو عين الربا الصريح المحرم في القرآن والسنة، ومن تعامل بهذه المعاملة سواء كان آخذاً أو معطياً أو كاتباً أو شاهداً فهو من المرابين الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المحاربين لله ورسوله، ولا يخرج منه الموظف الذي يعمل في المصارف لأنه كاتب للربا وشاهد عليه ومعين ومساعد على انتشاره في المجتمع، وأبواب الرزق الحلال مفتوحة، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)). فذلك عام سواء كان على مستوى الفرد أو الشركات التي تتعامل بالربا المكونة من مئات الأفراد، هذا بالنسبة للأخذ والعطاء في حال القرض أو الأقراض زيادة على رأس المال.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥٢٠