تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمرابي مبغض عند الله وعند الناس لأنه يأخذ ولا يعطي، يجمع ويمنع، لا ينفق ولا يتصدق، شحيح جشع جموع منوع، تنفر منه القلوب وينبذه المجتمع، وهذه عقوبات عاجلة، وأما عقوبته الآجلة فهي أشد وأبقى، وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يلاقيه المرابي، فورد في القرآن الكريم عن حال المرابي عند قيامه من قبره للحشر والنشور قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَوااْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ [البقرة:275]. وذلك أن الناس إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين إلى المحشر كما قال الله عز وجل: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الاْجْدَاثِ سِرَاعاً [المعارج:43]. إلا آكل الربا فإنه يقوم ويسقط كحالة المصروع الذي يقوم ويسقط بسبب الصرع، لأن أكلة الربا في الدنيا تكبر بطونهم بسبب تضخم الربا فيها فكلما قاموا سقطوا لثقل بطونهم، وكلما همّوا بالإسراع مع الناس تعثروا وتأخروا عقوبة وفضيحة لهم ثم يأتيهم بعد ذلك العذاب الأليم.

وفي حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسبح في نهر من الدم وكلما جاء ليخرج من هذا النهر استقبله رجل على شاطئ النهر وبين يديه حجارة يرجمه بحجر منها في فمه حتى يرجع حيث كان، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأُخبر أنه آكل الربا. وجاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ليلة أسري به على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: ((من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا)).

وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه)). وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء)).

أيها المسلمون: إن الربا حرام في جميع الشرائع السماوية قال الله تعالى في حق اليهود: فَبِظُلْمٍ مّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء:160-161].

وفي الإسلام مر تحريم الربا بأدوار أربعة تدرج فيها في تقرير التحريم حيث نزلت الآية السالفة الذكر وفي المرة الثانية حيث التلويح فيها بالتحريم لا التصريح، وقد سبقتها الآية الكريمة حيث قال تعالى: وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39]. ثم نزل قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً [آل عمران:130]. ثم نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا شك فيه لدى كل مؤمن ولا تفريق فيه بين قليل أو كثير حيث قال تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279]. وذلك بعد الحكم الصريح بالتحريم في الآية التي سبقت هذه الآيات حيث قال عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوااْ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]. ومع هذا الوعيد الشديد لمن أكل الربا فإن كثيراً من المسلمين لا يبالون في جمع المال من أي طريق، لا يهمهم إلا تضخيم الثروة وتكديس الأموال _ التي سوف يجدون عاقبة الخسران فيها في الدنيا والآخرة، فالحرام عندهم ما تعذر عليهم أخذه، والحلال في عرفهم ما تمكنوا من تناوله من أي طريق، وهذا يدل على عدم خشية الله في قلوبهم وإعراضهم عن دينهم وعدم مبالاتهم بأحكام الشريعة وتطبيقها في حياتهم، وإذا وصل حال المجتمع إلى هذا المستوى فعقوبة ذلك قريبة، ولا خير في حياة تبنى على الربا ولا في كسب مورده حرام، إن مالاً يجمع من حرام كالمستنقع المتجمع من الماء النجس القذر، يتأذى من نتن ريحه كل من قرب منه أو مرّ عليه.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥١٩