تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه لما غاب عن واقع المسلمين تطبيق الآيات والأحاديث في كثير من معاملاتهم صار همُّ أكثرهم نهب ما في أيدي إخوانهم المسلمين بالحرام الصريح وبالمشتبه وبالتحايل سواء بالربا أو بأكل المال حراماً عنوة واقتطاعه منهم ظلماً أو الرشوة أو الغش المنتشر في البيع والشراء الذي لا تكاد تخلو منه سلعة أو التحايل على الربا باسم البيع وغيرها من المعاملات البعيدة عن روح الإسلام وسماحته وأخلاق أهله العاملين به نصاً وروحاً والمطبقين له في كل صغيرة وكبيرة.

وعلينا أن نبتعد عن طريق اليهود في العمل بالحيل التي لا تحل الحرام أبداً والتي انتشرت بين المسلمين في معاملاتهم واتخذت أشكالاً وصوراً متعددة وهي محرمة شرعاً مهما تحايل أصحابها المتعاملون بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها)). وفي رواية للجماعة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه)). أي لما حرمت عليهم شحوم البقر والغنم التي حول المعدة والكليتين احتالوا على التحريم بِجَمْلِهَا على النار في القدور وبيعها وأكل ثمنها، كذلك الحال في احتيالهم على صيد السمك يوم السبت عندما اختبرهم الله وامتحنهم بذلك فاحتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوه من الأسباب الظاهرة التي هي في الباطن تعاطي الحرام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)).

وهذه الحيل تنطبق على أعداد ليست بالقليلة من المسلمين في التحايل على المعاملات الربوية التي ظاهرها البيع ولكن حقيقتها هو استحلال الربا بتلك الطرق الملتوية والتي أخذت أشكالاً وصوراً مختلفة، هدفها صيد الفريسة وإيقاعه في شباك الحيل، أي صاحب الحاجة الذي أتى للشركات أو المعارض أو المصارف أو الأفراد والذي يريد الحصول على نقود يحتاجها في زواج أو خلافه ثم يصطاده أولئك المتربصون به وبأمثاله من الملايين ولا أقول العشرات أو المئات أو الألوف وعشراتها ومئاتها لأن غالب الناس اليوم واقعون في تلك الديون المتراكمة عليهم منذ عشرات السنين بسبب حاجتهم الأولى لبعض النقود التي أدت نتيجتها وسلبياتها الحتمية إلى هذه المآزق التي قد لا يتخلص منها كثير من الناس في حياتهم وقبل موتهم بل تبقى ذممهم مرهونة لتلك الديون التي لم تنفك عنهم طوال حياتهم وذاقوا مرارة الحياة من استغلال أصحاب الأموال من الأغنياء لحاجات الفقراء والضعفاء وعامة الناس ومن خلال استدراج المصارف المسماة بالبنوك الربوية وغيرها التي تستدرج الناس بما تنشره من دعايات لتوفير حاجاتهم وإصدار البطاقات التي يغترّ بها كثير منهم ومن ثم يقعون في الربا خطوة خطوة، وقد أصاب الإفلاس بعض أصحاب مئات الملايين بعد تعاملهم بالربا مع تلك المصارف، فاستمراء الناس للربا وانتشاره وتسمية الأموال التي تأتي عن طريق التعامل به الفوائد والأرباح لا يغيّر من الواقع شيئاً ولا تحوِّل تلك الأسماء المسميات من الحرام إلى الحلال أبداً فهي ربا صريح محرم في دين الإسلام، والأسماء الجديدة للربا حيث يسمى بالفوائد والأرباح المركبة والبسيطة، وللخمور بالقهوة والمشروبات الروحية وللأغاني والموسيقى والطبول بالفنون والتسلية والترفيه لا يخرجها قيد أنملة من الحرام إلى الحلال، فاختراع أسماء للمحرمات غير ما سميت لا يخرجها عن مسمياتها بل إن ذلك من علامات الساعة التي ورد عنها الخبر من سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم.

فليحذر كل مسلم من التعامل بالربا وأخص أصحاب معارض السيارات الذين استغلوا حاجات الناس باسم التقسيط وقد تجلس السيارة في المعرض إلى أن تتلف عجلاتها وإطاراتها ويتغير لونها، وتباع من صاحب الحاجة لأحد الوسطاء والسماسرة الذين يسمّون بالشريطية المحللون للبيع ثم تعاد لصاحب المعرض وهكذا وهي في مكانها، أو تخرج للحيلة فقط لأن القصد اصطياد أصحاب الحاجات وتسجيل الديون المضاعفة عليهم والسيارات التي هي حيل وخداع باسم البيع والشراء، ومثل ذلك في التجار الذين تتلف لديهم أكياس الحب والسكر والبن والهيل والأرز، وطرق المعاملات الربوية كثيرة ليس هذا مجالها ولكن التنبيه والإشارة كافية، هذا ما تم إيضاحه على سبيل الإجمال من أجل الذكرى التي ينتفع بها المؤمنون ولمن كان له قلب واع خائف وجل من الله عز وجلّ قال تعالى: وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]. وقال عز وجل: فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الاْشْقَى الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى:9-12]. وقال تعالى: إِنَّ فِى ذالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥١٧