تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن تلك الأمور السؤال عن الربا، والربا معلوم تحريمه في دين الإسلام بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة سواء كان المتعامل به فرداً أو جماعة أو مؤسسة أو هيئة أو اتخذ أي شكل من الأشكال وصيغة من الصيغ، فالربا حرام في الإسلام التعامل به، وهو من كبائر الذنوب التي تسبب محق البركة وغضب الله عز وجل وعدم قبول العمل والدعاء، وليس التحريم من عالم من العلماء أو شخص من المسلمين وليس لهم ذلك ولا غيره، وإنما حرمه الله عز وجل ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم [البقرة:275-276]. ثم أعقبها سبحانه بآيات واضحة لمن كان له أدنى بصيرة أو خوف منه عز وجل أو يريد الإيمان إن لم يكن مؤمناً ومصدقاً بوعد الله ووعيده. فبعد أن ذكر تحريم الربا في الآية السابقة وورد نص قطعي الدلالة لا غبار عليه ويعرفه العالم والجاهل وهو قوله عز وجل: وحرَّم الرِّبا. أعقب ذلك في آية أخرى بمناداة المؤمنين ومخاطبتهم بأحب الأسماء إليهم ليسترعي انتباههم وليترفعوا عن المحرمات ويتقوا الله ويحذروا أليم عقابه بأن يبتعدوا عن الربا إذا كان لديهم إيمان، وإذا لم يفعلوا فهم محاربون لله ورسوله محادون مبغضون لتعاليم الكتاب والسنة، وما أعظم جريمة من يحارب الله ورسوله، فالخزي والعذاب والنكال هو جزاؤه في الدنيا والآخرة. قال تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279]. هذه بعض الأدلة من القرآن الكريم، أما من السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوله صلى الله عليه وسلم: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشهادة الزور)). وعن جابر رضي الله عنه قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال:هم سواء)). فهذه بعض الأدلة التي تبين تحريم الربا على الفرد والمجتمع وأن من تعامل به وتعاطاه فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ومحارب لله ورسوله.

ومهما كثر المروجون للربا والمتعاملون به فلا يخرجه عن دائرة التحريم قيد شعرة، ولا يغتر المسلم بكثرة الهالكين والواقعين فيه والداعين إليه وإلى غيره من المحرمات، قال تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]. وقال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

ولقد أصبح هم كثير من الناس جمع المال من أي طريق سواء كان حلالاً أو حراماً، وهذا تصديق لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: ((يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل من أين اكتسب ماله من الحلال أم من الحرام)). وكما قال عليه الصلاة والسلام: ((يأتي على الناس زمان لا يبقى بيت إلا ويدخله الربا، وإن لم يدخله نالهم من غباره)). وهذا الواقع المؤلم في مجتمعات المسلمين مؤذن بحلول غضب الله ونقمته التي سوف تعم الصالح والطالح حيث قال سبحانه وتعالى محذراً ومنذراً من شؤم المعاصي والذنوب: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25]. فهمُّ كثير من الناس اليوم هو جمع المال واستغلال حاجة بعضهم بعضاً لنهب ما في أيديهم وإثقالهم وتحميلهم الديون بالحيل الموقعة في المعاملات الربوية والاحتيال على شرع الله ومشابهة اليهود الذين يرتكبون المحرمات بأدنى الحيل، وقد أصبح هذا الشبه والخلق اليهودي في مجتمعات المسلمين بما يروجه شياطين الإنس والجن من تزيين المكاسب المحرمة وتلبيسها لباس الحلال باسم البيع، حيث دخلت المعاملات الربوية تأخذ أشكال الحلال في الظاهر ولكن القصد منها هو الوقوع في الربا والتعامل به ولكن بطرق ملتوية ظاهرها الحِلّ وباطنها الحرمة ظانين بأن ذلك يخفى على رب العزَّة والجلال إذا هو خفي على البشر. فما أقل الورع في هذه الأيام وما أكثر الوقوع في المحرمات وفي الشبهات التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن من وقع فيها فسوف يقع في الحرام لا محالة بقوله عليه الصلاة والسلام قبل نهاية الحديث: ((ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥١٥