وتقرر القواعد الفقهية أن الأصل براءة الذمة.(36) فلماذا نفترض عدم الأصل؟
وإذا افترضنا جدلا أن المصرف غير أمين، فأيهما أولى الامتناع عن الذهاب إليه والمخاطرة بالمال أم الذهاب إليه؟
الدليل الثامن:
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: كما تدخل الحكام والفقهاء في تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب إهمالهم؛ فلولي الأمر أن يتدخل في عقود المضاربة بتحديد نسبة الربح مقدمًا، وأن يكون رأس المال مضمونًا، وهذا اللون يندرج تحت باب المصالح المرسلة.(37)
نقول: لقد تدخل الفقهاء فعلاً في تضمين الصناع لما تحت أيديهم، وجعلوا علة ذلك الإهمال، فأوجبوا عليه بسبب إهماله ضمان المال. وهذا ضمان لصاحب المال من عبث العابثين من ناحية، ومن ناحية أخرى يجعل الصانع يعمل بجد، ويحافظ على ما في يده دون ظلم. فإن كان الهلاك بسبب خارج عن إرادته دون إهمال منه فلا شيء عليه.(38)
ومسألة وضع المال في المصرف وغيره بعيدا عن هذا الوضع؛ فهو يحدد الربح مقدمًا، ويضمن رأس ماله كاملاً، لا يعرضه للهلاك؛ فهو يضعه في مصرف، ويعلم علم اليقين أنه سوف يأخذ أصل ماله مع زيادة متفق عليه.
فهذا الكلام وإن ظن أن فيه مصلحة لبعض الناس إلا أنه يتعارض بنص قطعي الثبوت والدلالة من كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى: "وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون".(39) فالله سبحانه وتعالى يقول: "فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون" أي بأخذ الزيادة، "ولا تُظلمون" أي بوضع رءوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.(40) د. طنطاوي يقول بتحديد نسبة من الربح مقدمًا تكون زيادة على رأس المال مع ضمان رأس المال؛ فبأي القولين نأخذ؟ بأمر الله وكلامه أم بأمر الدكتور محمد سيد طنطاوي؟
ثم يقول هذا من باب المصلحة المرسلة، ومعلوم أنه "إذا اتضحت قطعية دلالة النص من كتاب أو سنة؛ اتضح سقوط احتمال المصلحة المظنونة في مقابله، حتى ولو كان لها شاهد من أصل تقاس عليه".(41) فهذه المصلحة مصطدمة بنص قطعي الثبوت والدلالة فاحتمالها أصلاً غير قائم.
والأصل الذي قيست عليه هو تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب الإهمال، ثم يقيس "خراب الذمم" في هذا الزمان على الإهمال؛ فهل هذه العلة (خراب الذمم) تتفق مع علة الإهمال من كل الوجوه؟ بالطبع لا. ونضيف إلى ذلك أن الأصل في الذمة البراءة لا غيرها.
وإذا جئنا لشروط العلة نجد أنها تختلف هنا عما أورده العلماء من شروط للعلة الصحيحة؛ فمثلا من الشروط: سلامة العلة عن الرد والمعارض الراجح "والذي يبطل الوصف الذي هو علة ويرده هو النص أو الإجماع".(42) وليس هناك نص أوضح مما ذكرناه من كتاب ربنا، حيث يقول: "وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون" (43)، بالإضافة إلى إجماع من المجامع والبحوث الفقهية.
ومن شروط العلة أيضًا التي ينتفي معها هذا القياس ألا تكون علة الحكم في الأصل المقيس عليه غير العلة التي علق عليها الحكم في الفرع.(44)
وكذلك من الشروط التي ينتفي معها القياس هنا "ألا توجب العلة في الفرع حكمًا آخر غير حكم الأصل".(45) فخراب ذمة المصرف يوجب الابتعاد عنه والانتظار حتى تبرأ ذمته وينصلح حاله بما يوافق الشرع، أما تضمين الصناع بسبب الإهمال لا يوجب الابتعاد عنهم بل القرب منهم لأخذ الضمان على الأقل بوجه حسن، أما في المصرف فأخذ المال بدون وجه حق بل وزيادة عليه.
وكذلك لا بد من وضوح العلة، وهو ما يتنافى هنا؛ لأن خراب الذمم شيء عام ليس محددا ولا معينا، والأصل في العلة أن يكون الوصف المعلل به معينا (46).
الدليل التاسع:
قال الشيخ محمد سيد طنطاوي: لم يقل أحد من الأئمة: إن تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة يجعله معاملة ربوية يحرم فيها الربح الناشئ عن العمل في المال المستثمر؛ فالفقهاء أجمعوا على فساد عقد المضاربة بسبب تحديد الربح.(47)