تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موقف السلف من التورق المنظم

د. سامي بن إبراهيم السويلم 3/11/1426

05/12/2005

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد.

فقد انتشر التمويل من خلال التورق المنظم في السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة، واستفحلت بسببه مديونية الأفراد، وترافق ذلك مع تدهور توزيع الدخل وارتفاع تركيز الثروة بدرجة ملحوظة.

وقد نتج عن انتشار هذا التمويل لدى المصارف الإسلامية تساؤلات جوهرية حول حقيقة التمويل الإسلامي والرسالة التي وجدت المصارف الإسلامية أصلاً من أجلها. فبينما كان دعم التنمية والإسهام في النشاط الحقيقي للاقتصاد على رأس قائمة أهداف المصارف الإسلامية، من خلال المشاركة والاستصناع والإجارة ونحوها من المبادلات الحقيقية، تراجعت هذه الأهداف بعد بروز التورق المنظم، وحل محلها أهداف "أكثر واقعية"، تقتصر على تحقيق الربح من خلال تقديم النقد الحاضر مقابل أكثر منه في الذمة، مع توسيط سلع لا أثر لها في النشاط الحقيقي أو في توليد قيمة مضافة للاقتصاد.

وهكذا صار التورق المنظم سبباً في التراجع عن أهم أهداف المصارف الإسلامية، وسبباً لتشكيك الكثيرين، من المسلمين وغير المسلمين، في جدوى التمويل الإسلامي أصلاً، وما إذا كانت هناك فروق فعلية بينه وبين التمويل الربوي.

ولذلك لم يكن غريباً وقوع النزاع بين الفقهاء المعاصرين حول مشروعية هذا النمط من التمويل، وتتابع المناقشات والمداولات بشأنه عبر سلسلة من الندوات والمؤتمرات، كان خاتمتها اجتماع مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والذي صدر قراره في أواخر 1424هـ بمنع التورق المنظم وأنه يأخذ حكم العينة الثنائية.

وقد قدمت العديد من البحوث والدراسات حول الموضوع، بين مؤيد ومعارض. انصب معظمها حول الاستدلال بشتى أنواع الأدلة حول مدى مشروعية هذه الصيغة من عدمه. لكنها تكاد تتفق على أن هذه الصيغة تبدو مستحدثة وغير مطروقة في مصادر الفقه الإسلامي ومدوناته.

لكن تبين أن هذه الصيغة كانت معروفة منذ القرن الأول للهجرة، وأن فتاوى السلف بشأنها كانت صريحة وحاسمة في منعها. ونظراً لغياب هذه الحقيقة عن كثيرين، جاء هذا البحث ليسلط الضوء على هذا الجانب، وليسهم في بناء تصور أكثر موضوعية ومصداقية في هذه المسألة الخلافية.

ولتتضح الصورة للقارئ نمهد بتحديد المصطلحات محل البحث:

مفهوم التورق وأنواعه

التورق أو التورق الفردي: هو الحصول على النقد من خلال شراء سلعة بأجل ثم بيعها نقداً لطرف آخر غير البائع.

التورق المنظم: هو أن يتولى البائع ترتيب الحصول على النقد للمتورق، بأن يبيعه سلعة بأجل ثم يبيعها نيابة عنه نقداً ويقبض الثمن من المشتري ويسلمه للمتورق.

التورق المصرفي: كثيراً ما يستخدم هذا المصطلح رديفاً للتورق المنظم. لكن يمكن التمييز بينهما بأن التورق المصرفي هو تورق منظم يسبقه مرابحة للآمر بالشراء، حيث الآمر بالشراء هو المتورق. والسبب أن المصارف في الغالب لا تملك سلعاً ابتداء، فإذا رغب العميل في الحصول على النقد من خلال التورق المنظم عبر المصرف، تطلب الأمر شراء المصرف السلعة لأمر المتورق، ثم بيعها عليه بأجل، ثم بيعها نقداً وتسليم النقد للعميل.

فتاوى السلف في التورق المنظم

1. الإمام سعيد بن المسيب (94هـ)

وهو أعلم التابعين، وأفقه الناس في البيوع (1). كان يفتي والصحابة رضي الله عنهم أحياء، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا سُئل عن شئ يشكل عليه يقول: (سلوا سعيد بن المسيب فإنه كان يجالس الصالحين)(2).

روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن داود بن أبي عاصم الثقفي أن أخته قالت له: إني أريد أن تشتري متاعاً عِينة، فاطلبه لي. قال: فقلت فإن عندي طعاماً، [قال:] فبعتُها طعاماً بذهب إلى أجل، واستَوفَتْه. فقالت: انظر لي من يبتاعه مني. قلت: أنا أبيعه لك. قال: فبعتها لها. فوقع في نفسي من ذلك شئ. فسألتُ سعيدَ بن المسيب فقال: (انظر ألا تكون أنت صاحبه؟) قال: قلت فأنا صاحبه. قال: "فذلك الربا محضاً، فخذ رأسمالك، واردد إليها الفضل"، هذا لفظ عبد الرزاق.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧٠٢