تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البنك الإسلامي (الإسرائيلي)!!

مهنا الحبيل 24/1/1428

12/02/2007

حين وُلدت التجارب الأولى للمصارف الإسلامية كان هناك خطاب مصاحب لها يؤصل ويكرس مبادئ التشريع الإسلامي في الاقتصاد، وكيف أن أساس الاقتصاد الرأسمالي المستبد والساحق للفرد وللطبقة الوسطى والفقيرة يتناقض مع أساس العدالة التي ركزها الاقتصاد الإسلامي بتداول الأموال، وفتح باب البيع والشراء، وإدارة الأموال، وتنشيط القوى البشرية، وزيادة أعداد المستفيدين من إنماء المجتمع، وفرص إدارة الثروة الوطنية لبلدان المسلمين داخل قطاعات الاستثمار وذات العلاقة المباشرة بأهالي هذه الأقاليم التي تتواجد فيها تلك الثروات والمؤسسات الاقتصادية الإسلامية.

وحين بدأت التطبيقات تُمارس على الواقع الاقتصادي ودوائر السوق ذات العلاقة المندمجة مع الإدارة الدولية في قبضة البنوك العالمية تغير المشهد، وأصبحت معاملات هذه المصارف الإسلامية تُحاول شرعنة تلك المشاريع والعمليات بتخفيف الحد الأدنى من الشروط الذي يعفيها من الربا الصريح، ولكن تبقى آلية وطريقة و تداول المعاملات المالية هي نفسها بذات الرأسمالية العميقة، خلافاً -وبالقطع- مع منهج التشريع الإسلامي العادل، مع احترامنا وتقديرنا لشخصيات الهيئات الشرعية، ولكننا نتحدث عن التطبيقات والمفاهيم في أرض الواقع.

وهو ما حدا بالمفكر الباكستاني الشهير خورشيد أحمد -وهو أحد أبرز منظري الاقتصاد الإسلامي- أن يعلن في ذلك الزمن أن المصارف الإسلامية هي مصارف لا ربوية وليست إسلامية، وشرح موقفه هذا بناء على مفهوم العناية بالفقراء ومتوسطي الدخل التي يضمنها الاقتصاد الإسلامي، مع تحقيق الربح والنجاح؛ لأن هذه المصارف ليست جمعيات خيرية، لكنها من المفترض أن تدشن بعد كل هذه السنوات من التجربة نماذج قائمة على الأرض تمثل بوضوح فلسفة الاقتصاد الإسلامي، وهو ما لم يحصل مع الأسف الشديد.

ولا بد هنا من أن أوضح أنه تبقى قضية الربا الصرف حالة من حالات المعصية الاجتماعية الكبرى، بإجماع أهل السنة في مشارق الأرض ومغاربها، استطاعت المصارف الإسلامية تحقيق بديل مع كثير من التحفظات عليه، ولكن البيع بالمرابحة للآمر بالشراء وبيع الآجال وغيرها أعفى البعض من تداول القروض الربوية المباشرة.

ثانياً: كنا نتفهم بأن تجربة الاقتصاد الإسلامي حديثة، وقد نشأت مع وجود اقتصاد دولي إقطاعي ورأسمالي مهيمن، لكننا بدل أن نرى انتقالاً كلياً وتنوعاً جديداً في المشاريع الاقتصادية الإسلامية أصبحنا نعيش مرحلة تكريس لذلك الإقطاع والإثراء، ولكن بصيغة يُطلق عليها إسلامية، ثم استبدلت كل تلك البنوك لافتاتها أو افتتحت لافتة أخرى لمعاملات إسلامية، ولم يتغير غالباً حال المال لديها، ولا تداوله، ولا جهاته الاستثمارية الكبرى، ولا نسبة الربح، إنما كل ما تغير هو الاستمارات المطبوعة للمشاريع المسوقة لدى هذا المصرف أو ذاك، هذه إسلامية بختم اللجنة الشرعية وتلك تجارية.

ولعل أبرز ما أثار هذه القضية هو انهيار أسواق الأسهم في الخليج، وقيام بعض المصارف التي تهتف بأنها إسلامية بإغراء صغار المساهمين لأخذ قروض تمويل كبيرة ثم تسييل محافظهم عند أول انهيار، وسحق أولئك البسطاء، ومتوسطي الدخل، وبعض المقتدرين، وإخراجهم بين عشية وضحاها إلى أهل فاقة مستحقين للزكاة، كما فعلت البنوك التجارية وأكثر.

إننا لن ننكر الحالة المصرفية-وكما قلت- التي بدأت تبعد المجتمع عن الربا، غير أن هذه القضية -أي رفع شعار المصارف الإسلامية- لها تبعات عند الله والناس تثير أسئلة خطيرة يجب على تلك البنوك الإجابة عنها، وتطرح بدائل وخيارات حقيقية تنموية للشرق الإسلامي والجنوب الإنساني المضطهدين، ولا تتحول كجناح آخر للإرادة الدولية الاستعمارية في الاقتصاد، ومن يسيطرون عليه، ويعرف الجميع من هم وأين هم، وألاّ يتذمر منسوبو هذه المصارف من مساءلة الناس والمختصين: من أين لكم هذا؟

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧١٥