الأسهم النقية والمختلطة
خالد بن سعودالرشود 25/12/1427
15/01/2007
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فإن من المعاملات التي ظهرت وانتشرت في المجتمع المسلم: بيع وشراء أسهم الشركات المساهمة حتى قلما تجد أحداً لا يتعاطى مثل هذه المعاملات وبناءً عليه توجهت أسئلة المستفتين إلى طلبة العلم فاجتهدوا فيها، وتعددت آراؤهم، واختلفت اجتهاداتهم حسب ما يأتي بيانه. ولكن مع ذلك ما زال السؤال مستمرًّا عن حكمها مع سابق علم المستفتي بأقوال المفتين، وكأنه لم يجد الجواب الذي يشفي ويكفي، خصوصاً مع ظهور التناقص في هذه الفتاوى. فبينما تحرم إحدى الشركات في وقت، إذا بها تحل في وقت آخر والعكس صحيح، فقد يشتري وقت الإفتاء بالجواز ثم تحرم. وخاصة مع كثير ممن يتحرى في أمر دينه، ويخاف على نفسه من المحرم أيًّا كان قدره.
وكنت إلى وقت قريب معرضاً عن الخوض في أحكام هذه الأسهم؛ لأن هناك من يقوم ببيان الحكم الشرعي فيها وله سابق فضل وعلم، كما أن طالب العلم لا يتجرأ على الفتوى مع أن غيره قد كفاه، ولكن ما فتئت هذه المسائل تعرض عليّ فأحيل الجواب على من تصدى لذلك من طلبة العلم، ولكن لاحظت إقبال عدد كبير من الناس على هذه الأسهم بناءً على هذه الفتوى، فلما تملكوا فيها حدث أمران عظيمان أوجبا إشكالاً عند كثير من المتعاملين ممن يتحرى الحلال في ما يكتسب، وهذان الأمران مرتبطان ببعضهما وأحدهما مترتب على الآخر:
الأول: الانهيار الشديد في سوق الأسهم مما ترتب عليه خسارة كثير من أهل الخير ممن شجعتهم تلك الفتاوى على دخول السوق المالي. فأشاروا تلميحاً أحياناً، وتصريحاً أحياناً أخرى إلى تلك الفتوى التي دفعتهم وسهلت لهم دخول هذا المجال. وبعضهم أظهر استنكاره الشديد من هذه الفتاوى التي تسببت في خسارته -في ظنه- مما دفعه إلى كيل التهم -في ضمن عدة جهات- إلى هؤلاء المفتين وتلك الفتاوى؛ خصوصاً مع وجود الأمر الثاني: ألا وهو اختلاف الفتوى في نفس الشركة، وانقلابها من الجواز إلى التحريم أو العكس فجعله يتأخر في بيعها حتى قل سعرها، أو يبادر إلى البيع وهي في طور ارتفاع السعر. فإن خسر فيها أوجب عليه ذلك إمساك أسهم هذه الشركة مع علمه بتحريمها بناءً على هذه الفتوى وإن لاح له المكسب فيها اضطر لبيعها قبل تحققه؛ خشية الوقوع في المحرم.
ولما سبق فقد رأيت -ولله الأمر من قبل ومن بعد- أن أكتب في هذه المسألة رأيي القاصر إبراءً للذمة ونصحاً للأمة وخروجاً من العهدة -خاصة مع تعلق حكم هذه المسألة بأحد الضروريات الخمس وهو المال- فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وبيان هذه المسألة يكون بأمور:
أولاً: يجب على المسلم ألا يتساهل فيما يكتسب وليعلم أنه مسؤول عن هذا المال؛ من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ لما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع..." وذكر منها: "وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه" رواه الترمذي وحسنه. كما أن أكل المال الحرام من المسائل الخطيرة والعياذ بالله التي ورد بشأنها الوعيد الشديد. روى الإمام أحمد (13919) بسند حسن عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: "يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت؛ النار أولى به. يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها". وهذا وعيد عظيم لمن تهاون في أكل المال الحرام فعلم من هذا أن على المسلم أن يراعي الله جل وعلا في هذا المال، وألا يتبع في كسبه هواه، بل يطلب الحق في تحليله وتحريمه، ولا يكن كالذي يبحث لنفسه غطاءً من زلة عالم أو خطأ مجتهد لأجل اكتسابه من غير حله.