تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الربا.. آثام وأضرار

بناء النفس والأسرة، وبناء المجتمع والأمة لا يكون إلا باكتساب، ولا اكتساب إلا بعمل. والعمل لا يكون إلا بالتعامل مع الآخرين، سواء كان العمل والاكتساب مشروعاً أم غير مشروع، أخلاقياً أم غير أخلاقي.

وأحكام الإسلام لم تكن كنظريات الاشتراكيين التي ألغت الملكية الفردية، وقتلت أبناءها، وأدت بهم إلى العطالة والبطالة. وهي كذلك ليست رأسمالية تعطي الحرية المطلقة في الأموال ليسحق الأقوياء الضعفاء، ويكونوا بمثابة العبيد والخدم لهم، والعمال لديهم. كلاَّ! ليست أحكام الإسلام في التعاملات كذلك؛ إذ وازنت بين حق الفرد في الملكية الخاصة وبين حاجة المجتمع بما يحقق التقارب والألفة والأمن، فأعطت الفرد حق تنمية ماله بالكسب المشروع، ولم تحرمه من ابتكارات في التجارة ما دامت في حدود الحلال. وفي الوقت ذاته أغلقت تشريعات الإسلام منافذ الاستبداد المالي، والاحتكار التجاري، واستغلال الطبقات الفقيرة وحاجتها إلى المال، وفتحت أبواب الإحسان والقرض والصدقة، والمضاربة المشروعة.... إلخ.

وفي هذه المقالة عرض لبعض آثام الربا الشرعية، وأضراره الدينية والدنيوية؛ تلك الكبيرة من الذنوب التي عمت وطمت في العصر الرأسمالي، وتمت عولمتها قبل عولمة أي شيء آخر؛ إذ إن الربا انتشر في كل بلاد العالم انتشار النار في الهشيم منذ عشرات السنين، أي قبل أن يتحدث الناس عن العولمة.

ومع بالغ الأسف فإن انتشار هذه الجريمة النكراء هُوِّن وقعها على القلوب؛ حتى ألفتها فلم تعد تنكرها؛ بل صار الإنكار على من ينكرها في عصر أصبح الباطل فيه حقاً ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن كان يظن أن هذه الكبيرة المقيتة ستوجد لها المسوغات وتوضع لها المبررات؟ وممن؟! من شيوخ معممين يحملون أعلى الإجازات العلمية في الدراسات الإسلامية، ويتربعون على سدة مناصب الإفتاء في بلادهم.

وأضحت اليوم كثير من المعاملات المحرمة بالأمس تصنع لها المخارج الشرعية، وتتحول تدريجياً من دائرة الحرمة المغلظة إلى الأخف إلى المشتبه، إلى مسائل خلافية يجيزها بعض ويحرمها الأكثر، ثم العكس يجيزها الأكثر ويحرمها بعض، حتى يخفت صوت المُحرِّم لها شيئاً فشيئاً فتصبح حلالاً.

ولإقناع جمهور الأمة التائه في غابة تلك التعاملات التي تخرج لنا الآلة الرأسمالية كل يوم منها عشرات الصور، عمدت كثير من صروح الربا المشهورة التي تحاد الله ورسوله وتعلن الربا صراحة إلى إقناع الواقفين على عتباتها مترددين بفتاوى تجيز بعض أساليبهم وتعاملاتهم. تصورها وتوزعها وتعلقها على جدران الصرح الربوي الشامخ؛ وإنها لمهزلة أن يكون سند من يجاهر بحرب الله ورسوله فتوى خطتها أنامل من يدعو إلى الله تعالى وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم !!

أضرار الربا الشرعية:

1 الربا من معاملات اليهود والمشركين:

كان من أعظم أمور الجاهلية، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال عن طريقه؛ ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إلغاءه على مسمع من الناس في حجة الوداع حينما خطبهم فقال: "ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ثم قال: وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله"(1).

واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سبباً من أسباب عقوبتهم كما قال الله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما.

﴿النساء: 160، 161﴾.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى : "أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه"(2).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٧٧