تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أضرار الربا الشرعية:

1 الربا من معاملات اليهود والمشركين:

كان من أعظم أمور الجاهلية، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال عن طريقه؛ ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إلغاءه على مسمع من الناس في حجة الوداع حينما خطبهم فقال: "ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ثم قال: وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله"(1).

واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سبباً من أسباب عقوبتهم كما قال الله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما.

﴿النساء: 160، 161﴾.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى : "أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه"(2).

ولم يفارق اليهود عادتهم القديمة؛ فأباطرة الربا في هذا العصر وملاك كبريات مؤسساته ومصارفه هم من اليهود، وهم الذين أفسدوا اقتصاد العالم، ونشروا المعاملات المحرمة، وحطموا أسعار كثير من العملات، وأفقروا كثيراً من الشعوب.

فمن تعامل بالربا فقد تشبه بأعداء الله تعالى من المشركين واليهود، وكفى بذلك إثماً وخسراناً.

-------------------------

2 أنه محاربة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم :

---------------------------------------

جاء الزجر عن الربا في كتاب الله تعالى عنيفاً شديداً؛ إذ هو من الذنوب العظائم القلائل(3) التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله.

وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله تعالى بإشهار السلاح، وإزهاق الأرواح، واغتصاب الأموال، وترويع الآمنين، وقطع السبيل؛ فإن أكلة الربا يحاربون الله تعالى بدمار المجتمعات، والإفساد في الأموال مما يؤدي إلى الفساد في الأرض، وتوسيع الهوة بين الطبقات مما يلزم منه حدوث الجرائم وكثرة الخوف، وقلة الأمن.

إن أَكَلَةَ الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق، ولا يأخذون المال عنوة؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم!! وينتهبون أموال الناس وهم يربتون على أكتافهم!!

إنها محاربة ماثلت في بشاعتها محاربة قطاع الطريق؛ ولكنها أوسع نطاقاً، وأكثر تنظيماً ومخادعة؛ ففاقت في انتشارها وقبحها رفع السلاح وانتهاب الأموال بالقوة؛ وقد قال الله تعالى محذراً منها: يا أيها الذين آمنوا \تقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 278 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴿البقرة: 278، 279﴾.

وويل ثم ويل لمن حارب الله تعالى وهو يمشي على أرضه، ويأكل رزقه، وينعم بفضله. قال ابن عباس رضي الله عنهما : "يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب"(1). وعنه رضي الله عنه قوله في معنى الآية: "فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله"(2).

وقال قتادة السدوسي رحمه الله تعالى : "أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون؛ فجعلهم بهرجاً أينما ثقفوا"(3) ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية قد أومأت إلى سوء خاتمة أكلة الربا(4).

---------------------

3 أن فيه كفراً لنعمة المال:

------------------------

لم يكتف المتعامل بالربا بما رزقه الله من مال، ولم يشكر نعمة الله تعالى به عليه؛ فأراد الزيادة ولو كانت إثماً، فكان كافراً لنعمة ربه عليه؛ فمآل ماله إلى المحق ونزع البركة، كما قال الله تعالى : يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ﴿البقرة: 276﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى : "أي لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بآكل أموال الناس بالباطل"(1).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩٠٦