تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدليل السادس:

يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن هذا التحديد للربح مقدمًا، لا يتعارض مع احتمال الخسارة من جانب المستثمر وهو المصرف أو غيره؛ لأنه من المعروف أن الأعمال التجارية المتنوعة إن خسر صاحبها في جانبٍ رَبِح في جوانب أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. واستشهد بقول ابن قدامة في المغني: إن العامل في المضاربة إذا اشترى سلعتين فربح في أحدهما وخسر في الأخرى، جُبرت الوضيعة (أي الخسارة) من الربح.(28)

هذا الدليل -كما وضحنا- يتناقض مع الدليل الرابع، ونحن الآن بصدد مناقشته في قوله: إن خسر صاحبها في جانب ربح في جوانب أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. فمعنى هذا أن النقود في المصرف مختلطة؛ فمن دفع كثيرًا يتساوى مع من دفع قليلاً في مقدار النسبة على رأس المال؛ فما ذنب من ربحت أمواله حتى يؤخذ من ربحه لتغطية خسارة غيره؟

ثم إن المقطوع به في الدراسات الاقتصادية: "أنه لا صلة بين سعر الفائدة وربح المدين أو خسارته، ولا بين سعر الفائدة والتضخم، بل إن الفائدة من أهم عوامل التضخم".(29) وهذه الفائدة لا تتحدد بنسبة الربح والخسارة بل يتأثر تحديدها بعدة عوامل، منها: "القوانين التي تضعها الدولة، والمصالح الشخصية لأصحاب المصارف، والمؤسسات المالية، والمضاربون في سوق الأوراق المالية الذين يخلقون تغييرات مفتعلة في السوق، وحالات الرواج والكساد، وكمية العرض والطلب".(30)

فالفائدة التي تُحدد لا شأن للمقرض خسر ماله أم ربح فيها، إذن هي لا تخضع لمعيار الربح والخسارة، وإنما تخضع للقوانين والمصالح الشخصية وغيرها، فربما تكون نسبة شخص مرتفعة ونسبة الآخر منخفضة، وهذا تحدده العوامل السابقة.

وإذا قلنا: إن الأموال كلها تصب في مصرف واحد مثلا، يضع فلان مبلغا يختلف عن مبلغ الآخر؛ فهل يميز المصرف مبلغ كل منهما أم أنه لا شأن له بهذا التمييز؟ الحقيقة أن المصرف توضع لديه المبالغ فيخلطها في مشروع أو في إقراض آخر دون تمييز.

وهنا يأتي السؤال: هل يجوز عدم التمييز في المال الذي يقارض فيه اثنان واحدًا بنسبة من الربح متفاوتة؟ يرى الفقهاء أن هذه المعاملة غير جائزة إلا بتعيين الأموال المحددة لأشخاص محددين وبتعيين ومعلومية النشاط الذي اشتغلت به الأموال(31).

فقوله "وإن عينا": يعني أن يعلم أن هذا المال الذي تاجر به في كذا هو مال فلان، وأن ربحه كذا وله فيه ما يتفقان عليه، وأن المال الآخر الذي تاجر به في كذا هو مال فلان، وله من ربحه ما يتفقان عليه.

وينبغي التميز في الشركتين، كما أنه إن خلط مال المضاربة بماله فإن فعل ولم يتميز ضمنه لأنه أمانة.(32)

واستشهاد د. طنطاوي بابن قدامة الواضح أنه في حالة المضاربة من فرد واحد إلى العامل، أما في حالتنا هذه فيقول "ابن قدامة" تحت عنوان "والوضيعة على قدر المال": "يعني الخسران على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساويا في القدر، فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثا فالوضيعة أثلاث لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم".(33) وهذا النص أولى بالصواب في حالة البنوك؛ فإذا ما ثبت أن المال فيها مبهم فهي تجمع الأموال كلها، ولا ندري في أي تجارة أو استثمار.(34) وضع مال هذا أو ذاك؛ لأنها لا تقسم الربح بين الأفراد بل تحدد نسبا معينة لهم يأخذونها في حال الربح أو الخسارة، فإذا ما ثبت هذا ثبت فساد هذا النوع من المضاربة؛ لعدم تعيين مال كل واحد من المضاربين.

الدليل السابع:

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: خراب الذمم مما يجعل صاحب المال تحت رحمة صاحب العمل المستثمر للمال، وهو المصرف أو غيره، والذي قد يكون غير أمين، فيقول مثلا: "ما ربحت شيئا"، وقد ربح الكثير مما يوقع في الظلم الذي تنهي عنه الشريعة.(35) ولدينا هنا تعليقان:

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩٢٩