-===============
سوق الأسهم..على شفا انهيار
قراءة نقديّة لواقع المساهمات في السوق المحلي
د. يوسف بن أحمد القاسم * 22/11/1426
24/12/2005
ينطق واقعنا الحالي بما حدث به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمِن الحلال، أم من الحرام!!" أخرجه البخاري في صحيحه، وبوّب عليه (باب من لم يبال من حيث كسب المال)؛ فقد أصبح الحلال في نظر كثيرين هو ما حلّ في اليد أو الجيب، لا ما حلله الله تعالى، فلم يبالِ إن وقع المال في يده بسبب المساهمات الربوية، أو بسبب المضاربات والصفقات الناتجة عن طريق الغش والتدليس، أو عن طريق الكذب والتلبيس، أو نحو ذلك من الوسائل المحرمة في كسب المال؛ ولذا أصبح الواحد منا يدعو ويلحّ في الدعاء (يا ربّ يا ربّ) فلا يُستجاب له، ولو كان في سفر، أو كان أشعث أغبر!! لأن مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!
وبنظرة سريعة لما يشهده سوق الأسهم المحلي، نرى كثيراً من المخالفات الشرعية، والتي نوجز الكلام في أبرزها عبر النقاط الآتية:
نرى بعض المسلمين -وللأسف- يدخل في الربا من أوسع أبوابه، فيلغ فيه ولوغاً لا يطهره الماء ولا التراب، فتراه يستثمر في أسهم البنوك الربوية، أو يضارب فيها، أو في أسهم شركات لا تتورع عن الربا، إيداعاً واقتراضاً واستثماراً، وبأي نسبة كانت ولو كثيرة، والعاقبة أن يُمحق هذا المال، أو تُمحق بركته، كما قال سبحانه: (يمحق الله الربا)، وأما صاحبه فقد آذن بحرب من الله ورسوله، وما الظن بمن أعلن الله تعالى الحرب عليه - عياذاً بالله- هذا واقع.
وواقع ثانٍ: ممن جعل إشاعة الكذب مطيّته في تحقيق المكاسب وجني الأرباح، فترى مجموعة من المساهمين أو المضاربين في السوق يشترون أسهماً في إحدى الشركات بثمن بخس، وعلى سبيل التواطؤ، ثم يشيعون خبراً ما عبر منتديات الإنترنت وعبر رسائل الجوال، ونحو ذلك مما ينتشر معه الخبر انتشار النار في الهشيم، فيشيعون -مثلاً- بأن رأس مال تلك الشركة سيرتفع بسبب منحة، أو بأن للشركة مستحقات لدى الدولة سوف تتسلمها في القريب العاجل، أو بأنها ستوقع عقوداً معينة مع إحدى الدول،... إلخ، ويكذبون مع هذه الإشاعة مئة كذبة!! فيشيع الخبر في أوساط المضاربين، ولا سيما الصغار منهم ممن لا يعي حجم الخطر المحدق بهم، فيقبلون على شراء أسهم تلك الشركة، فترتفع قيمتها بسبب كثرة الطلب، ويبيع أولئك المشيعون للخبر ما لديهم من أسهم، ثم تهوي القيمة السوقية لتلك الأسهم، ويتضح أن هذا الارتفاع خيال لا واقع، فتقع الكارثة بسبب تلك الإشاعة الآثمة، وشعار هؤلاء المتلاعبين بالسوق المقولة السائدة "اشتر على الإشاعة وبعْ على الخبر!!" وهكذا تكون أموال الناس ألعوبة في أيدي من لا أخلاق له، ومن غش المسلمين فليس منهم. وهذا واقع ثانٍ.
وواقع ثالث: سببه الطلبات والعروض الوهمية، فهو نجش بصورة عصرية!! فترى بعض ضعاف النفوس -وللأسف- يعرض عبر شاشات التداول عروضاً وهمية من خلال بعض المحافظ التي يديرها بالوكالة، فيعرض -مثلاً- عشرة آلاف سهم بسعر معين في إحدى المحافظ، ثم يعرض من محفظة أخرى وفي بنك آخر عشرين ألف سهم بنحو ذلك السعر، وهكذا من محفظة ثالثة ورابعة...، ثم يشتري عدداً قليلاً من هذه الأسهم -كعشر المعروض مثلاً- من محافظ أخرى بالسعر المعروض، حتى يوهم من يراقب هذا التداول بأن لأسهم تلك الشركة قوة شرائية تستحق الاهتمام، وهو في الحقيقة مناقلة للأسهم بطريقة التدوير، فيقبل الأغرار من المضاربين بشراء أسهم تلك الشركة، فيبيع عليهم أسهمه بالسعر الذي خطط له، ثم تهوي القيمة السوقية مرة أخرى، فيرجع هو ويشتريها بثمن بخس، وهكذا يربح في الدخول والخروج، في البيع والشراء، وبأسلوب مبالغ في القبح والدناءة. وهذه صورة من صور النجش المحرم، والذي حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله:"ولا تناجشوا" قال الخطابي:"النجش: أن يرى الرجل السلع تُباع فيزيد في ثمنها، وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد بذلك ترغيب (السوام) فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه غرر للراغب فيها..." وقال النووي: "وهذا محرم بالإجماع، والإثم مختص بالناجش إن لم يعلم به البائع". والبائع هنا في هذه الصورة هو الناجش!!