تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(142) انظر الشيخ الممتع (8/222).

(143) لكن شيخ الإسلام قيده بالحاجة. انظر الفروع (4/171)، والأخبار العلمية (ص190).

(144) تهذيب السنن (9/262)، وانظر المغني (6/263-264)، الشرح الكبير (197-199).

================

سوق الأسهم بين المصالح والمفاسد

د. عبد اللطيف بن عبد الله الوابل 16/11/1426

18/12/2005

أصبح موضوع سوق الأسهم حديث المجالس وكثرت الأسئلة حوله واتجهت شرائح من المجتمع إليه بحثاً عن الأرباح وكان لابد لكل من عنده علم في ذلك أن يبين رأيه في المسألة ويدلي بدلوه براءة للذمة ونصحاً للأمة. وهذه رؤية في الموضوع أطرحها حسب ما بلغه اجتهادي وأسأل الله التوفيق والسداد.

وقبل الحديث عن سوق الأسهم وما يشتمل عليه من مصالح ومفاسد في حالته الراهنة لابد من ذكر مقدمات هامة ليكون الحديث عن سوق الأسهم في الإطار العام للمنهج الإسلامي المتميز:

الكسب الحلال مطلب شرعي، أمر الله المؤمنين به كما أمر المرسلين، فقد ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم " وقال: (( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء: يا رب يارب فأنى يستجاب لذلك)).

الأصل في المسلم أن يتجنب الشبهات حرصاً على دينه وحفظاً لآخرته ولذلك أخبر صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه عن ذلك بقوله: (( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه .... )) والمشتبه هو ما اختلف في حله أو تحريمه وفسرها الإمام الزاهد الورع أحمد بن حنبل رحمه الله بأنها منزلة بين الحلال والحرام وقال من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام. قال سفيان بن عيينة رحمه الله : لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه.

كسب المال ليس مقصوداً في ذاته ولكنه وسيلة للاستعانة به على طاعة الله، فإذا لم يكن حلالاً يستعان به على طاعة الله فهو بؤس وشقاء قال تعالى: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا )) وفي الحديث في مسند الإمام أحمد رحمه الله :" وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا رسول الله. قال غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " ومن ثم حذر صلى الله عليه وسلم من أن يصبح المال غاية يتعلق به قلب المسلم فقال " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم .... " والتعاسة هي الشقاء والبؤس وذلك حين يصبح هم الإنسان جمع المال وتكثيره بأي وسيلة دون حذر من الشبهات .

الربا من أشد ما حرم الله سبحانه في المعاملات بل هو أعظمها إثماً فلم يتوعد الله بالحرب في آية من كتابه كما في آية الربا في قوله تعالى: " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " ومن ثم فقد حذر السلف رحمهم الله من الربا وما يتبعه من الحيل الربوية فالأصل في المجتمع المسلم ترك الربا بأنواعه وأشكاله وكل ما يتوصل به إليه فلا يليق بأمة الإسلام أن تأخذ بالنظام الرأسمالي المبني على الربا والقمار فهذا نوع من الإعراض عن شرع الله ودينه ويجب على المسلمين أن يتعاونوا على ترك الربا بكل أشكاله وحيله وإلا وقعوا في الإثم لا محالة. ولو نظرنا إلى سوق الأسهم أو بمفهومه الواسع " سوق الأوراق المالية لرأينا أنه في أصله نموذج غربي قائم على مفهوم الربا والقمار والحيل الربوية فالأصل فيه الشبهة حتى يتأكد المسلم خلوه من هذه المحرمات ومن ثم نجد أنه مرتبط لديهم بسعر الفائدة وغالب الشركات المسجلة فيه تعتمد في تمويلها على الربا والسندات المحرمة فلا يجوز بأي حال أن نستورده على حالته التي هي عليها دون تمحيص وتنقية له من شوائبه لأن ذلك سيؤدي إلى تجاوزات لا نهاية لها. ولقد عجبت كثيراً ممن أجاز تدوال أسهم الشركات المختلطة التي تقترض جزءاً من تمويلها بالطرق الربوية وإن كان من أجاز ذلك قد وضع ضوابط ولكن كيف غاب عنه هذا التحذير الشديد والزجر العظيم من الله سبحانه لمن يتعامل بالربا قليلاً كان أو كثيراً بكل أشكاله وأصنافه وذلك في قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " وإن كنت لا أشك في صلاح نيتهم وقصدهم ولكن لا يجوز بحال أن يصل بنا الضعف والهزيمة إلى اللجؤ لفتح هذا الباب فالنظام الربوي سواء في بنوكه أو شركاته الربوية هو عار ومذلة على جبين المسلمين ونشاز في المجتمع الإسلامي فالواجب على أفراد الأمة المسلمة جمعياً الحزم في هذا الأمر والا يترك بحال مطلقاً بدعم أو تبرير أي تعامل ربوي قل أو كثر. ولو أن المسلمين قاموا بدورهم في الإحتساب على البنوك الربوية لما أصبح النظام الإقتصادي في أغلب بلاد المسلمين قائماً على الربا فالبنوك إنما تقوم على ودائع الأفراد فلو كان هناك وعي وعزم وتعاون على القيام بالواجب لأغلقت هذه البنوك الربوية أبوابها من زمن طويل ولعل من أسباب ما هو واقع بالأمة المسلمة من ذل وهوان وتسلط للأعداء ومشاكل اقتصادية وسياسية في معظم دول عالمنا الإسلامي هو قيام واستمرار هذه البنوك الربوية التي تجلب معها غضب الرحمن ونزول حربه الذي لا قدرة للأمة على مواجهة هذه الحرب ولكن الأمل لا يزال قوياً في هذه الأمة التي لا يعدم الخير فيها فخطوات إنشاء البنوك الإسلامية أثبتت قدرتها على البقاء والاستمرار ولكنها لا تزال بحاجة إلى دعم من حكومات وشعوب العالم الإسلامي حتى يتحول النظام الاقتصادي بكامله من نظام ربوي إلى نظام إسلامي لئلا تبقى البنوك الإسلامية وغيرها من المؤسسات التمويلية تعيش حالة من الشللية والضعف لأنها تحت سيطرة بنوك مركزية ربوية تؤمن بالفائدة معياراً لرقابتها على البنوك الأخرى .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧٧٩