تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأي في تأجيل العوضين في عقد التوريد

عبد العزيز بن إبراهيم الشبل(*) 2/7/1425

18/08/2004

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فبعد بداية عصر الثورة الصناعية والتطور السريع للمنتجات الحديثة واتساع التجارة بين الدول ظهرت عقود أضحت من لوازم تلك التجارة، ومن تلك العقود عقود التوريد وعقود الإعاشة، أن الإشكال الذي يرد على عقود التوريد أنه في الغالب يكون اتفاق ملزم للطرفين (عقد) وهذا الاتفاق عند إبرامه لا يتضمن تسليم أحد العوضين أو كليهما، وبناء على ذلك رأى كثير من الفقهاء المعاصرين أنه من قبيل بيع الدين بالدين المنهي عنه شرعاً، وبذلك جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي (107) (1/12)(1).

ولكن هل هذا الحكم مسلم؟ وهل هذا هو رأي جميع الفقهاء المتقدمين؟ ألا يوجد مسائل ذكرها الفقهاء المتقدمون يمكن تخريج عقد التوريد عليها؟

الحقيقة أن هناك بعض الصور التي ذكرها الفقهاء تنطبق على عقد التوريد ـ أو هي قريبة منه ـ وهذه الصور يجمعها أنها بيع تأخذ فيه السلع شيئاً فشيئاً.

وهذا البيع لم يتفق الفقهاء على اسم واحد له، بل له عدة أسماء، هي:

1. بيع الاستجرار:وهذه التسمية موجودة عند متأخري الحنفية(2) ، وعند الشافعية (3)، ولعل سبب هذه التسمية: أن أخذ المشتري السلعَ من البائع بين الفينة والأخرى فيه معنى الجرّ والجذب؛ لأن المشتري يأخذ السلع شيئاً فشيئاً فكأنه يجرّها من البائع.

أو لعل سبب التسمية: أن الغالب في الاستجرار أن يكون الثمن مؤخراً، والعرب تقول: أجررت له دينه أي أخرته له(4).

أو لأن البائع ينقاد للمشتري فيعطيه ما يطلب منه، والعرب تقول: استجررت له: أي أمكنته من نفسي فانقدت له.(5).

والاحتمال الأول أقرب، والله أعلم.

2. بيعة أهل المدينة:

وهذه التسمية مشهورة عند المالكية فإنهم يسمون بيع الاستجرار بيعة أهل المدينة؛ وذلك لاشتهارها بينهم(6).

3. مسألة السعر: وهذه التسمية يذكرها شيخ الإسلام وابن القيم،(7)

ويشيران بها إلى مسألة البيع بسعر السوق ويجعلانها والاستجرار شيئاً واحداً، ولعل سبب هذه التسمية أن شيخ الإسلام يرى أن البيع في بيع الاستجرار ينعقد بالقيمة (سعر السوق).

4. الوجيبة: وهي أن توجب البيع ثم تأخذه أولاً فأولاً، وقيل هي: على أن تأخذ منه بعضاً في كل يوم حتى تستوفي وجيبتك(8).

5. أما كثير من الفقهاء فإنهم لا يسمون بيع الاستجرار باسم بل يصفونه وصفاً، كأن يقولوا ما يأخذه المشتري من البياع، أو من البقال شيئاً فشيئاً، ونحو ذلك.(9).

الفرق بين الاستجرار والمعاطاة

البيع بالاستجرار قريب من البيع بالمعاطاة (التعاطي) ولهذا فإن بعض الفقهاء يذكره بعد الكلام عن البيع بالمعاطاة، ولكن هناك فروق بين الاستجرار والمعاطاة، هي:

1. من حيث صيغة العقد: بيع الاستجرار أعم من المعاطاة؛ لأن المعاطاة تكون بالفعل، بينما الاستجرار يكون بالقول (إيجاب وقبول) ويكون بالفعل (معاطاة).

2. من حيث الثمن: الغالب في الاستجرار تأجيل الثمن، أو عدم تحديده في صور أخرى، بينما الغالب في المعاطاة مناولة الثمن عند التعاطي(10).

3. من حيث طول العقد: الاستجرار عقد طويل يستمر أياماً وشهوراً، يتم فيه قبض المبيع على مراحل، ولهذا فهو في بعض صوره مجموعة من العقود، وأما المعاطاة فتتم مرة واحدة.

صور الاستجرار:

لبيع الاستجرار صور عديدة، وهذه الصور تذكرها بعض المذاهب دون بعض، فنجد عند الحنفية صوراً لا نجد لهذا ذكراً عند المالكية وهكذا، وجامع هذه الصور أن الثمن إما أن يكون مقدماً (نقداً) والمثمن (المبيع) مؤخراً، أو العكس، أو أن يكون العوضان مؤخرين، والصورة الأخيرة هي التي تعنينا.

حكم الصورة الثالثة من صور الاستجرار

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧٣٣