دراسة فقهية تعترض على فتوى مجمع البحوث الإسلامية في إباحة الفوائد البنكية (1 ـ 2)
قبل الدخول في مناقشة مضامين الفتوى يجب ان نحدد محل النزاع والخلاف أو مناط الحكم في الفتوى، فإن الفتوى قد خلطت بين محل الوفاق والخلاف ولم تحرر مناط الحكم، فليس الخلاف في تحديد الربح مقدما منفصلا عن غيره، بل الخلاف في ضمان واشتراط الربح، وفي ضمان رأس المال، وفي صفة يد البنك على المال هل هي صفة امان أو ضمان، واذا قيل بأن البنك وكيل فما هي الآثار المبنية على هذه العلاقة؟ هذا ما كان الواجب جعله محور واساس الفتوى لتكون الفتوى سليمة من الناحية المنهجية العلمية. بعد هذا نبدأ بمناقشة هادئة علمية فقهية للفتوى.
أولاً: عنوان الفتوى «استثمار الاموال في البنوك التي تحدد الربح مقدماً»: العنوان يوحي بأن محل الخلاف في تحديد الربح مقدما وكأن الاستثمار ذاته حلال مفروغ منه، وعناصر السؤال المتعددة اغفلها العنوان، وصحة العنوان ان يكون «حكم استثمار الاموال في البنوك التقليدية» ليشمل عناصر السؤال، وما اذا كان الربح محددا مقدما أو غير محدد. ويشمل البنك الذي يحدد الربح مقدما والذي لا يحدد لئلا يكون للعنوان مفهوم مخالف.
ثانياً: السؤال: «إن عملاء بنك الشركة المصرفية العربية الدولية يقدمون اموالهم ومدخراتهم للبنك الذي يستخدمها ويستثمرها في معاملاته المشروعة مقابل ربح يصرف لهم ويحدد مقدما في مدد يتفق مع العميل عليها، نرجو الافادة عن الحكم الشرعي لهذه المعاملة». رئيس مجلس الادارة توقيع الدكتور حسن عباس زكي وقد أرفق مع الخطاب نموذجا لمستند التعامل الذي يتم بين المستثمر والبنك، ونص هذا النموذج كالآتي:
* البنك الشركة المصرفية العربية الدولية
* التاريخ: / /2000م
* السيد/
* حساب رقم:
* تحية طيبة وبعد:
نحيط سيادتكم علما بأنه قد تم تجديد رصيدكم طرفنا وقدره 100000 جم (فقط مائة ألف جنيه مصري لا غير) عن الفترة من 2002/1/1 حتى 2002/12/31 بعائد 10% سنويا والعائد قدر 10000 جنيه مصري.
اجمالي المبلغ + العائد في تاريخ الاستحقاق.
110000 جنيه مصري.
المبلغ الجديد مضافا اليه العائد حتى 2002/12/31.
110000 جنيه مصري.
* المناقشة: وتتناول السؤال ذاته والجدول المرفق مع السؤال:
أ ـ كان من الواجب ان يحرر المجمع محل السؤال، ولا يمكن اصدار حكم مع هذا الاجمال، فينبغي ان يستفصل ويستفسر المجمع عن بعض الامور التي لا يكتمل الجواب والفتوى الا بها وهي: ما هي صفة البنك القانونية حين يستلم اموال العملاء، هل هو مقترض او مضارب أو وكيل، ومحل هذا السؤال ودواعيه ان معرفته هي مناط الحكم ومبناه، اذ من المعلوم ان تسلم البنك الاموال انما هو على صفة الاقتراض.
الاستفسار عن المقصود بعبارة الاستخدام والاستثمار وفي معاملاته المشروعة. ما هي هذه الاستثمارات التي وصفها البنك بأنها مشروعة؟ ولفظ مشروعة هذا حكم شرعي يصدره السائل، وهو مصادرة على الحكم والفتوى، فالبنك لا يملك وصف افعاله من الناحية الشرعية، والا فلا محل للسؤال ابتداء. وما الفرق بين الاستخدام والاستثمار، هل المراد ان البنك يستخدم هذه الاموال في شؤونه الادارية، ومقار عمله، والاستثمار شيء آخر.
ب ـ الجدول المرافق للسؤال لا يطابق السؤال، ولا يكشف عن مضمونه فمضمون السؤال: استثمار الاموال اي ان هناك مجالات استثمار محددة، ومعاملات وصفها بالمشروعية، والجدول يتضمن شيئا آخر، وكان من المفروض ان يثير تساؤلات بديهية فإن الجدول صيغة بنكية ربوية صريحة، تحمل الجواب على ان البنك لا صلة له بالاستثمار، الا الاستثمار النقدي الربوي حيث يلد النقد النقد، وهذه واضحة في الجدول لا تحتاج الى عميق نظر.. فالعميل اودع مبلغ 100000 جم (مائة الف جنيه مصري) لفترة من 1/1/2002 حتى 31/12/2002 اي بعائد 10% سنويا، وتم حسابه باجمالي المبلغ + العائد في نهاية السنة ليصبح 110000 جنيه مصري. فالجدول ربوي صرف غاية ما فيه تسمية الفوائد بالعوائد، والعبرة للمعاني لا للألفاظ كما هو متفق عليه عند أهل العلم.